إشكال المعنى واللفظ في الخطاب الفلسفي.

 

إشكال المعنى واللفظ في الخطاب الفلسفي.
التفكير في اللامفكر فيه؟



هل يُعقل الفصل بين الفلسفة وأنسنتها ،وهي في الأصل شكل من أشكال الوعي الإنساني؟لماذا يُصرّ بعض الفلاسفة على السكن في سماء المعقولات فوق " قبة السماء " بتعبير أفلاطون " بحيث حسب اعتقاد البعض ،يتناسب هذا السكن المتعالي مع حجة التجريد ،بدعوى أن الفلسفة اشتغال فلسفي على اللسان الطبيعي، اشتغال يقتضي منهجيا تطابق التفلسف مع نمط من التعبير اللساني يسمح بما لا يسمح به اللسان الطبيعي أو كما يسميه البعض العامي، من إمكانات تستفز العقل على إعماله في الموضوعات بما يتناسب مع الخصوصية الفلسفية التي تتميز بها عن باقي اشكال الوعي الإنسان الأخرى.
اتساءل، ما مناسبة هذا الحديث؟ اجيب بسبب بعض الكتابات الفلسفية التي تتصنع الصياغة اللسانية كهدف وليس الموضوع، ربما غموض العبارة في التشكيل اللغوي يتناسب مع درجة العقل في التفكير، ولكن ربما قد تتحول الكتابة المعقدة إلى ترف شخصي يتجاهل المتلقي/ القارئ بغض النظر عن قضية النزول أو الصعود بين الكاتب والقارئ....وفي هذا السياق يشاع ان كانط طلب من أحد أصدقائه رأيه في كتابه " نقد العقل الخالص" ...لكن هذا الصديق لم يستطع إتمام القراءة بدعوى أنه قد يٌصاب بالجنون بسبب التشكيل اللساني أو الصياغة اللغوية المعقدة لمقصد كتاب نقد العقل.هذا إشكال معروف عند المفكرين العرب قديما وسبق للجاحظ والتوحيدي والجرجاني وحتى عند بعض الصوفيين امثال ابن عربي،اقصد طبيعة العلاقة بين اللفظ والمعنى، ليس من مدخل التصنّع القصدي، بل لأن مقاربة مختلف الإشكالات تقتضي ذلك،وأن قضية الغموض ليست حالة متصنعة بل العقل نفسه يرتقي من حيث لا يستطيع العوام مجاراته . وهنا استحضر كتابات محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمان، الأول كان ينهج التبسيط في مختلف كتاباته ومقالاته وكتيباته مثل سلسلة " مواقف" ، والثاني كان ينحو منحى تشكيليا بسبب رغبته في الإستقلال الفلسفي وما يتطلبه من إبداع مفاهيمي قد يبدو معقدا لكنه يعتبر ضروريا من أجل الاستئناف الفلسفي.
لكن في عدد من الكتابات المغربية المعاصرة التي تزعم لنفسها أنها تنهل من الصنعة الفلسفية، أزعم أنها لم تلق القبول بسبب إغراقها في التعقيد، وكأن المقصد يكمن في التشكيل اللساني وليس في في خدمة هذا الأخير للموضوع محط التفكير. التصنع اللساني قد يصطدم بالموجات الفلسفية التي تسعى إلى أرضنة الفلسفة في الفضاء المدرسي والفضاءات العمومية من قبل عناوين مثل الفلسفة فن للعيش، الفلسفة التطبيقية، الفلسفة واليوماني، الفلسفة في الحاضر.....ومثل هذا الإشكال يٌطرح في تدريس الفلسفة في الثانوي التأهيلي والجامعي... بمعنى كيف تٌصاغ الدروس في سياق العلاقة بيت اللفظ والمعنى بيداغوجيا وفلسفيا من خلال الجاذاذات ....وهناك إشكال مسكوت عنه،هل التحويل البيداغوجي للفلسفة في المدرسة يٌفقد الخطاب الفلسفي فلسفيته؟
ذات مرة، سٌئل أدونيس عن أسباب غموض شعره،فأجاب ببساطة أن الغموض مرتبط بغموض العقل نفسه، كونه لا يستطيع التفكير إلا بطريقة إبداعية تخييلية بالرغم من أن مفاهيم التخييل مأخوذة من الواقع لكنها تخلق واقعا موازيا للواقع الواقعي بنفس ألسنته التعبيرية، وهذا ما لايستطيع العامي مسارته او عليه أن يكلف نفسه عناء الفهم. كمثال عن هذا التشكيل اللغوي بيتا شعريا لآدونيس يقول فيه:
لأب مات أخضر كالسحابة وعلى وجهه شراع.
لو أخذنا الكلمات كتجاور فهي مألوفة لدى الشخص العادي، لكن حين نمعن النظر في علاقاتها الإبداعية، سنجد أنها تحيل على معاني واقعية لكن بتشكيل غير التشكيل اليوماني. كنت أشتغل على هذا المقطع الشعري مع تلامذتي من خلال طبيعة العلاقة بين اللفظ والمعنى في موضوعة اللغة في أحد البرامج الفلسفية السابقة. وأن هذا البيت الشعري ينفتح على اليوماني من خلال قضية الموت وما يخلفه من فواجع ألم الفراق ،ولكن يجد المفجوع نفسه أن الميت الفقيد قد سافر بعد الموت إلى عوالم أخرى .إذن فهو حي لكن بمعنى آخر غير نمط الحياة الدنيوية.... يختلف وجود ما بعد الموت بحسب قناعات الشخص الدينية والاعتقادية, وهذا ما يدل عليه في البيت الثاني : وعلى وجهه شراع ، مما يدل على موت في الدنيا وحياة بعد الموت... كان تلامذتي يسألون طبعا عن دلالة " مات أخضر كالسحابة" وهل السحابة خضراء؟؟يبدوا أن الأب، وهو متزوج وله أبناء ، وهذه فاجعة كبرى أنه مات وهو في عز العطاء مثل السحابة التي تحمل مطرا هو سبب الخضرة في الأرض.
أعود إلى الخطاب الفلسفي، واسأل، هل هناك اتفاق على حدود الإبداع الفلسفي على مستوى اللفظ والمعنى؟ وهل يسمح الفيسبوك، وهو فضاء شعبي، بنشر مقالات فلسفسة طوال تسمح بالتفاعل؟ كيف يمكن أن يحضر الخطاب الفلسفي في الفيسبوك في أفق إيجاد موطن للفلسفة من دون أن يفقد خصوصيته ومن دون أن يتحول إلى عائق أمام تعميم التفكير الفلسفي؟
شاركها على حسابك في :

مدرس مادة الفلسفة مُتقاعد .

مواضيع ذات الصلة: