لماذا انتصرت نظرية التجويز في الفكر الاسلامي على نظرية السببية ؟
من القضايا التي كنا نفكر فيها في برنامج الفكر الإسلامي مع تلامذة الأولى والثانية بكالوريا، قضايا إشكالية كانت تعكس مدى تعدد التأويلات الخاصة بقضايا تبدو غيبية لكنها مرتبطة بواقع المؤمنين في حياتهم اليومية. بمعنى كيف يكون الإعتقاد بموقف قد يبدو دينيا لكنه في الحقيقية إعادة تنظيم للحياة الواقعية. السؤال، ما الاسباب الخفية التي سحبت الفكر الإسلامي من البرنامج الفلسفي. ويتذكر مدرسات ومدرسي الفلسفة موضوعة البيان، والتي حسب رأيي الشخصي أرهقني تدريسها لمتعلمين مراهقين، في حين الموضوعة غاية في التعقيد، بدليل تم تنحيتها في البرنامج الفلسفي الموالي. ونفس الملاحظة تقال على موضوعة الفاعل؟
النصان التاليان، لكل من أبي حامد الغزالي وابن رشد، يعكسان مدى السجال حول قضايا معقدة تبدو عصية على من يروجون لسلوكيات تهتم بالمظهر والحركي وتتجاهل الجوهر. وليس غريبا أن يظهر كل من إسحاق ابن وهب والباقلاني والشهرستاني والسجستاني وأبي حامد الغزالي وابن رشد و السهروردي والحلاج. وابن خلدون .... الفلاسفة والعلماء في مجال الطب والفيزياء والهندسة ...هذا الذي سماه فتحي المسكيني " الثراث المغفول عنه؟ يظهر كل هؤلاء مجرد ماض ولى، ولست أجادل في ماضي الفكر الإغريقي والروماني الذي لازال حديث التبيان، ومنه رجوع هيدجر إلى ما قبل أفلاطون، وقراءة نيتشه للفتح الطاليسي حول مفهوم الكل واحد... وقس على ذلك.
يقول الغزالي :" الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروري عندنا... فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم إحداهما عدم الآخر، مثل الري والشرب والشبع والأكل والاحتراق والنار والموت وجز الرقبة... بل إن اقترانها من تقدير الله سبحانه يخلقها على التساوق لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفرق بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرقبة وإدامة الحيوة مع جز الرقبة ... وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته وقالوا أن هذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة ، فإنه إذا أنكرت لزوم المسببات عن أسبابها فليجوز كل واحد منا ... أنه من وضع كتابا في بيته فليجوز أن يكون قد انقلب عند رجوعه إلى بيته غلاما أو انقلب حيوانا . ( تهافت الفلاسفة- تحقيق موريس ينج- دار المشرق-ص 195-198)
وكأني بابن رشد على دعاة التجويز
يظهر أن الله تبارك وتعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي أضداد.لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها الله لنا من الخارج، وزوال العوائق عنها، كانت الأفعال المنسوبة إلينا بالأمرين جميعا ... وإن كان ذلك كذلك فالأفعال المنسوبة إلينا أيضا إنما يتم فعلها بإرادتنا و موافقة الأفعال التي من خارج لها، وهي المعبر عتها بقدر الله . وهذه الأسباب التي سخرها الله من خارج ليست هي متممة للأفعال التي نروم فعلها أو عائقة فقط، بل وهي السبب في أن نريد أحد المتقابلين. فإن الإرادة إنما هي شوق يحدث لنا عن تخيل ما أو تصديق بشيء... إن أفعالنا تكون مسببة عن تلك الأسباب التي من الخارج، وكل مسبب يكون عن أسباب محدودة مقدرة، فهو ضرورة مقدر، وليس يلفى هذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي من خارج فقط، بل بينها وبين الأسباب التي خلقها الله تعالى في داخل أبداننا.
وبهذا تنحل جميع الشكوك التي قيلت في ذلك، أعني الحجج المتعارضة النقلية والعقلية، أعني أن كون الأشياء الموجودة عن إرادتنا يتم وجودها بالأمرين جميعا، أعني بإرادتنا وبالأسباب التي من خارج.
ابن رشد. الكشف عن مناهج الأدلة.تحقيق مصطفى حنفي. مركز دراسات الوحدة العربية.ص 189.188
ما علاقة هذا السجال بعامة الناس؟ الناس أيضا فريقان،الأول يقول بالدارجة المغربية " ما تمشي غير فين مشاك الله؟والثاني يقول" جري ياعبدي وأنا نعاونك؟ السؤال لماذا نجح الأول وتوارى الثاني؟

0 التعليقات:
more_vert