تتمة الدرس الأول: الدرس الافتتاحي في الفلسفة للجذوع المشتركة.

 

الدرس الفلسفي الثاني:



الدرس الافتتاحي للجذوع المشتركة.
أقترح الموضوع التالي : التفكير الفلسفي والمراهقة،أية علاقة؟
الجزء الاول.
أتساءل كلّ سنة دراسية كيف يبدأ مدرس الفلسفة أوّل حصته مع التلاميذ؟
ستكون البداية مع الدرس الافتتاحي للجذوع المشتركة.
معلوم أن برنامج الفلسفة في الجذوع المشتركة يتضمن مجزوؤتين، مجزوءة الفلسفة،ومجزوءة الطبيعة والثقافة. السؤال ما المطلوب من مدرس الفلسفة البدء به مع ناشئة مُقبلة على اكتشاف عوالم الفلسفة أول مرة ؟
طبعا مطلوب من مدرس الفلسفة، بعد إلمامه بمُقتضيات الأطر المرجعية، وعلى رأسها كتاب التوجيهات التربوية، أن يكون واعيا برهانات كل مجزوءة على حدة ، ثم تحديد طبيعة العلاقة بين المجدزوءتين.ولن يتحقق الوعي بالرهان والعلاقة،من دون تحضير كلي للمجزوءة قبل الإقدام على تدريسها .فالضرورة البيداغوجية تقتضي الإطلاع على كل محاور المجزوءة وفهم مختلف إشكالاتها وسياقاتها، واختيار الوسائل الديداكتيكية في أفق أجرأة الخطابات الفلسفية وتحويلها إلى قضايا للتفكير.. في أفق أن يتحول التفكير الفلسفي إلى فن للعيش.
بالنسبة لتجربتي الشخصية، عادة ما أبدأ بمُساءلة التلاميذ عن أسباب تأخير تدريس مادة الفلسفة إلى مرحلة الثانوي التأهيلي ؟ بمعنى ، لماذا لم يتم تدريسها في مرحلتي الابتدائي والإعدادي؟ بالرغم من وجود اقتراحات تتعلق بإمكانية تقريب الأطفال من التفلسف في حدود الممكن. ولكن يبقى هذا المطلب مجرد مشروع في انتظار نضج الفكرة وإيجاد الوسائل الديداكتيكية التي من شأنها تقريب التفلسف للأطفال... إذن لماذا انتظر المشرع وصول التلاميذ إلى مرحلة الثانوي التأهيلي حتى يُمكنهم دراسة التفكير الفلسفي؟ من الناحية السيكولوجية، بماذا تتميز مرحلة الثانوي التأهيلي؟ بمعنى آخر لماذا لم تُدرّس الفلسفة في مرحلة الطفولة، بينما تمّ اعتبار مرحلة المُراهقة تتناسب مع استيعاب الخطاب الفلسفي كشكل من أشكال الوعي الإنساني؟
إذن الإشكال كالتالي : ما طبيعة العلاقة بين التفكير الفلسفي وفترة المُراهقة ؟ وما هي المُيررات التي من خلالها تم الاعتراف بالمراهقة كسن لدراسة الفلسفة وليس مرحلة الطفولة ؟ علما أن بعض الفلاسفة اعتبر أن لا سن محدد لتعلم أو مصاحبة التفكير الفلسفي.بينما فلاسفة آخرون اتبروا تعلم التفكير الفلسفي مرتبط بالنضج العقلي المرافق للتقدم في السن. وسأعود لمناقشة هذا الخلاف من خلال نصي كل من أبقوؤ وأفلاطون.
إذن أصبح تلاميذ الجذع المشترك في صُلب الإشكال، وعليهم هم أنفسهم أن يُقارنوا بين وضعهم الفكري الحالي ووضعهم في المراحل السابقة. والحالة هذه أول لبنة في الإشكال تتعلق بمفهوم المُراهقة، ثم بعدئد يتم تحديد طبيعة العلاقة بين االتفكير الفلسفي والمراهقة.
في هذه الحالة يُفضّل الإنصات لمفهوم التلاميذ حول المُراهقة، وعادة ما تُقترن لديهم ب" التبرهيش" وعدم النضج، والقيام بأفعال لها نتائج سلبية على المُراهَق ( بفتح الهاء، وليس المُراهِق بكسر الهاء لأن بينهما فرق)..والبحث عن جذور التبخيس من المراهقة لدى عامة الناس، ومطابقة ما يُشاع مع حقيقة ما يشعر به المُراهَقون أنفسهم في الواقع.
من بين ما يُتداول بين مفكري التحليل النفسي،أن المُراهة فترة تتسم بتحول جسدي يُرافق تحوّلا عقليا وآخر نفسيا، وكلاهما يُشكّل أولى بوادر النضج وتحمّل المسؤولية بدليل الانتقال من فترة اللعب التي تتسم بها مرحلة الطفولة ،إلى مرحلة النقاش والاعتماد على الذات. لهذا يركز المحللون النفسانيون وعلماء التربية، في تشخيصهم لمرحلة المراهقة على معطيين أساسين، الأول:التمركز الذهني حول الذات، والثاني : الإحساس بالمسؤولية والرغبة في الاستقلال الذاتي عن الوالدين.
هنا نُعيد طرح السؤال : هل لهاتين الخاصيتن علاقة بمشروعية دراسة التفكير الفلسفي؟
هنا يُصبح المتعلم في صلب إشكالية الرهان من تعليم الفلسفة ومن خلالها التفكير الفلسفي وشروط الإقبال على فهمها.
بالمُحصّلة ، سيُحسّ التلميذ أنه معني مباشرة بدراسة الفلسفة، وعلى المدرس إيقاظ،أو تحويل تلك الخاصيتين من القوة إلى الفعل: التمركز الذهني حول الذات، والاستقلال الذاتي وتحمل المسؤولية،ومن نتائجه مُساءلة الذات وهي في لحظات تحول فيزيولوجي ونفسي، وما يُرافق هذا التحول من إنتاج لنظريات، بل وإعادة بناء الذات،إضافة إلى ترجمة هذا التحول في الفكر إلى سلوك يتساوق مع الحرية في الاستقلال الذاتي( بوادر التجربة الأخلاقية المسؤولة).لكن على المدرس أن لا يقع في التناقض، كأن يقمع تلميذ الجذع المشترك وهو بصدد تشخيص وضعه باعتباره دخل مرحلة النضج وعلينا الإنصات له وتقديره واحترامه حتى يُحس بأنه بالفعل انتقل من مرحلة إلى مرحلة أرقى ، وهي أشبه بميلاد جديد، وعلى التلميذ أن يتحمّل هو الأخر تبعات هذا النضج ( المُحاسبة).
ضمن هذا السياق، المطلوب من المدرس إبداع أسئلة بيداغوجية تساعد المتعلمين على الوعي بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم وهم مقبلون على الدخول إلى العوالم الفلسفية ، لكن انطلاقا من هويتهم هم، وقدرتهم على مصالحبة التفكير الفلسفي وسبر أغواره،لا أريد تقديم أسئلة بيداغوجية في الموضوع حتى لا تتحول إلى نمط قابل للإستنساخ. كل مدرس وبحسب درجات استعداد المتعلمين لمدى قابليتهم الانخراط في تجربة التفلسفة،وهنا سأناقش لاحقا قضية العدالة الفلسفية الجهوية، وما مدى تأثير المجال الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي في تطوير القابيلة للتفلسف.
هذه معطيات تتعلق بداية ربط المتعلمين بالمجال الفلسفي، وكونهم هم معنيون بمصاحبة التفكير الفلسفي الذي يجد بذرته الجنينية في المراهق نفسه ، ومن خلال الشرطين الوجودين أعلاه : العودة إلى الذات والاستقلال الذاتي.
بعد هذه التجربة الوجودية، يمكن الانتقال إلى ما هذا الذي نسميه تفكيرا فلسفيا، ليس فقط مصاحبته بل مواجهة ما يشاع كونه في مختلف التمثلات الشعبية من كونه دخيلا ولا فائدة منه، بمعنى يوصف بكل درجات السلبية والتبخيس وكذلك التخوف،
إذا كان التفكير الفلسفي شكل من أشكال الوعي الإنساني، فما هي مقتضياته ومميزاته وأين نشأ وما مختلف أسباب نشأته؟
هنا يمكن أن تقف على وجهتي نظر مختلفتين:
1. الأولى تقليدية، والتي تجيب بداية على سؤال ما الفلسفة من خلال بعض تعريفات الفلاسفة، ثم الإنخراط في تعداد مختلف عوامل النشأة، كما هو الشأن عند المفكر }ان بيير فرنان.
2. وهو الأصعب، جعل المتعلم يواجه مباشرة نصا فلسفيا وتقديمه باعتباره شكلا من أشكال الوعي الإتساني. ومن المحتمل أن يتفاجأ المتعلم بالحمولة الفلسفية للنص من خلال الإشكال الذي يطرحه وحمولته المفاهيمية والحجاجية والإشكالية. بهذه الطريقة نجعل المتعلم ينخرط منذ البداية في تجربة التفلسف وتمييز التفكير الفلسفي عن التفكير الديني والعلمي والأدبي .....
لكن لكل تفكير شروط انوجاده، فهو لم ينزل من السماء، بل ابن بيئته، من هذا المنطلق يمكن الجمع بين الطريقتين حتى تتكامل هوية التفكير الفلسفي مع شروط ظهوره؟
وفي ذات السياق،أسأل مدرسات ومدرسي مادة الفلسفة ، ما النص المناسب التفكير فيه بمعية المتعلمين ليقفوا بالدليل على ما هي الفلسفة مقارنة مع باقي أنماط التفكير؟
وهناك اجتهاد للأستاذين بوتنبات وشفيق كريكر في موضوع بداية تدريس الفلسفة بالجذوع المشتركة. في كتاب صدر منذ سنوات.
يتبع






شاركها على حسابك في :

مدرس مادة الفلسفة مُتقاعد .

مواضيع ذات الصلة: