Please enable / Bitte aktiviere JavaScript!
Veuillez activer / Por favor activa el Javascript! [ ? ]

الاثنين، 11 ديسمبر 2017

حوار حول تشريح الأصولية الدينية والعقل العلماني.

بواسطة : Sidki Kamal بتاريخ : 12/11/2017 11:05:00 ص


حوار حول تشريح الأصولية الدينية والعقل العلماني.






1- موقف عبد الكبير الخطيبي
هذا مقتطف من نص طويل، ولا مناص من الرجوع إلى النص لفهمه في كليته، حتى لا نُتّهم بتشويه موقف المفكر عبد الكبير الخطيبي الذي نُقدّره ونحترم مواقفه الجريئة في نقد فهم السلفية للتراث.والنص عبارة عن تعقيب ر قم 6 حول موضوع :الفكر الغربي والتغيير في المجتمع العربي، للمفكر أحمد صدقي الدجاني، ضمن إشكالية : الأبعاد الرئيسية لمشكلة الأصالة والمعاصرة.ص . 355/303  ضمن ندوة بعنوان " التراث وتحديات العصر في الوطن العربي.الأصالة والمعاصرة.وطبع في كتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية 1985.
يقول المفكر عبد الكبير الخطيبي:” ينبغي علينا أن نبحث عن شيء مغاير في تقسيم الوجود العربي والإسلامي، وأن نتخلص من وهم الأصل المطلق والهوية السماوية والأخلاق العبودية. شيء مغاير وبكيفية مخالفة- وفق فكر متعدد- في خلخلة كل ما هو متعال، ومهما كان ن تحديده، إنه الآخر الذي ليس وجودا متعاليا،وإنما مواجهة خارجية لا متماثلة : في الحياة والموت.
هذا الخارج وهذا الغير من شأنهما أن يهزّا ميتافيزيقا عالم أبقت عليه الثيولوجيا وصانه الطغيان، كلاّ إننا نأبى أن نكون حطام نهاية هذا القرن، إذا اعتبرنا هذه النهاية في حركة اكتساحها.
وحدها مغامرة فكر متعددة ( متعددة اللغات والحضارات والبناء التقني والعلمي) تستطيع على ما يبدو، أن تؤمّن لنا الوجود في منعرج هذا القرن على الساحة الكونية. ولا خيار لأي منا في هذا الأمر، إنه عالم لن يعود إلى أسسه الميتة.
لقد انهزم البعض منا وخضع لقهره اليومي وعبوديته، بينما استمر البعض الآخر في النضال السياسي، رغم كل شيء، سواء في إطار حزب أو النقابة أو أي تنظيم سرّي، ومات آخرون أو ما زالوا يقهرون التعذيب. “.
إن هذا ال” نحن “الذي نُعمل فيه فكرنا لا يوجد داخل مجال الميتافيزيقا، بل على هامشها، وهو هامش واع يقظ…لنقل بأن أي إله لن يحضر موتنا بعدو لا أي ملاك، بل ولا أي شيطان. لقد سبق أن بيّنا في مكان آخر أن نقدنا يريد أن ينزل الجنة والنار في فكر مغاير، لا يواجه إلا المرئي…”

2- موقف علي حرب : تشريح العقل الأصولي.

(مقتطف من كتاب :المصالح والمصائر.على حرب.ص 31-34.ط 2010.منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون).يقول علي حرب:
"
تشريح العقل الأصولي.
داء الاصطفاء وفخ الاستثناء.
من وقائع العصر الكبرى، أن الأصولية الدينية،وبخاصة، الإسلامية، أمست االيوم لاعبا أساسيا على المسرح وفاعلا قويا في المشهد العربي والعالمي.من هنا فهي مدار لقراءات وتأويلات مخنلفة ومتعددة.
...
بماذا نفسّر عودة الدين على المسرح بهذه القوة ؟ وإلى أين تقودنا المشاريع الأصولية؟ وكيف يتشكّل النموذج الأصولي ويعمل؟ أو كيف يصنع عقل المتديّن في مجتمع تعدّدي ...؟
*-
الهويّة العنصرية:
1-
أولها (المعتقد الاصطفائي) الذي يزرع في عقل المسلم منذ النشأة، شعورا عارما بالنرجسية التي تجعله يؤمن بأن أهل ملّته وفرقته ليسوا كبقية الناس،لأن الله اختارهم لكي يكونوا ناطقين باسمه أو يجسّدون كلمته...ولهذا فهم في نظره وحدهم أهل الإيمان الصحيح والسائرون على الصراط المستقيم والنهج القويم، وما عداهم في ضلال مُبين.إنه( داء الاصطفاء وفخّ الاستثناء.)
2-
والوجه الآخر للمعتقد الاصطفائي،هو (اليقين الدوغمائي) الذي يُهم كل مُتديّن، وبخاصة المُسلم... بأنه ينتمي إلى جماعة هم وحدهم مالكو مفاتيح الحقيقة والاستقامة والهداية والسعادة.
هذا الوهم المزدوج يتجسّد في نهاية المطاف في (هويّة عنصرية) تجعل أصحابها يرون إلى أنفسهم بأنهم الأحق والأصدق والأكمل والأشرف والأنظف علما وخُلقا أونسبا ومكانة أو عملا،ومالا،كما تملآ السمع والبصر الخطابات من جانب الدعاة على الشاشات.هذا هو الأساس الذي ينهض عليه المشروع الأصولي ويُفجّره في آن...
3-
الوجه الثالث للإصطفاء واليقين، هو( الفكر الأحادي).. ويترتب عن ذلك نفي أي إمكان وجودي للتعدد والتنوع أوللالتباس والإشكال والتوتر والتعارض أو للحركة والصيرورة...هكذا تُقرأ النصوص : المعنى واحد، والحقيقة مطلقة،واليقين قاطع،والحقّ بيّن لا لبس فيه ولا يقبل الجدال، نحن هنا إزاء ديكتاتورية الحقيقة وإمبريالية المعنى.
4-
الوجه الرابع لدعوى الاصطفاء والوثوق والوحدانية، هو المبدأ السكوني.فالأصل عندهم ثابت...إنه يقع خارج الزمان والمكان بقدر ما هو متعال على التاريخ، ولذا فإن أصحابة يعتبرون بأنه ينسخ ما قبله ويلغي ما عداه بقدر ما يعتبرون بأن ما يأتي بعده ينبغي أن يكون محرّد تجلّ له أو امتداد أو تطبيق وإلا كان مجرد انحراف وفساد أو زيغ وبطلان.
...
ولذا فالأصولي لا يُمارس فعل التفكير الحيّ والخلاّق...إنه يفكر بصورة مُغلقة أو أحادية، بقدر ما تتحكّم في تفكيره المقدّسات والمسلّمات والمسبقات.فهو إذن ليس ذاتا مفكرة، بل مجرّد جهاز إيديولوجي..بقدر ما يعتبر أن هناك مَن فكّر عنه وما عليه إلاّ الامتثال والطاعة، وتلك عقلية الحشد والقطيع."


محمد عمارة : تشريح العقل العلماني من خلال كتابه” الإسلام والعلمانية الغربية

إذا كانت الشريعة الإسلامية هي المنهاج الإلهي لرعاية وتدبير الاجتماع الإنساني، في مختلف دوائر هذا الاجتماع : الفردية والأسرية، والاجتماعية والسياسية،والاقتصادية والقيمية، وفي دوائر النظم والحكومات، وفي العلاقات والدوائر القومية والإقليمية والدولية..ومع ذلك في شؤون الدار الآخرة…أي في سائر مناحي عالمي الغيب والشهادة. ولأنها عقد وعهد الاستخلاف الإلهي للإنسان،كي ينهض بأمانة استعمار الأرض وفق ضوابطها وعلى هدى معالمها :”ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون.”(الجاثية 18).” قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيّما ملّة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين(161) قُل إن صلاتي ونُسُكي ومَحياي ومماتي لله ربّ العالمين (162) لا شريك له وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين.” (الأنعام).
إذا كانت هذه هي فلسفة الشريعة الإسلامية،ومقاصدها، فإن العلمانية الغربية هي على النقيض من ذلك، فهي عزل السماء عن الأرض،وتحرير العالم والإنسان والاجتماع الإنساني من التدبير الإلهي ومن حاكمية السماء
بدعوى أن العالم مُكتف بذاته، وأن الإنسان هو سيد هذا الكون،يُدبّر حياته ب” العقل ” و” التجربة ” دونما حاجة إلى رعاية أو تدبير من وراء الطبيعة وخارج العالم الذي يعيش فيه.
وإذا كانت أمتنا الإسلامية قد عاشت قرونا ما قبل الغزوة الاستعمارية الحديثة في ظل الحاكمية الوحيدة والفريدة للشريعة الإسلامية..ولما كانت العلمانية الغربية- إذا هي طُبّقت في المجتمعات الإسلامية – عزل الإنسان المسلم عن هويته الإسلامية، وانفلاته من حاكمية شريعته الإلهية، وتحويل قبلة الأمة عن تراثها التشريعي الفقهي إلى حيث تصبح قبلتها القوانين الوضعية الغربية، وفلسفتها التشريعية النفعية الدنيوية،ومنظومة قيمها التي تحرر ” المصلحة
من الاعتبار الشرعي..لما كان الأمر كذلك، كانت العلمانية الغربية من أولى كتائب الاختراق الاستعماري لعالم الإسلام وثقافة المسلمين..” ص 7/8


      موقف المفكر محمد عابد الجابري من إشكالية العلمانية 

كان جوابه على سؤال: يرى العلمانيون العرب أن لا إمكانية حقيقية لنهضة عربية إلا بتكرار تجربة أوربا في فصل الدين عن الدولة، كيف تنظرون إلى مثل هذه الدعوات؟(مواقف ع 26)   كالتالي:”مصطلح ” علمانية” أو ما يقابله في اللغات الأجنبية له تاريخ ويدل على شيء معين. فإذا أردنا نقله إلينا فعلينا أولا أن نعي معناه في مجاله الأصلي. العلمانية في الفكر الغربي لا معنى لها بدون الكنيسة، العلمانية هي إخراج السلطة الخاصة بشؤون الدنيا من الكنيسة ونقلها إلى الدولة. نحن لا توجد لدينا كنيسة، وفي الإسلام لا توجد كنائس. وشؤون الدنيا في يد الحاكم، هذا الحاكم مسلم، لأنه ينتمي إلى مجتمع إسلامي، سلوك يوزن بمقياس الدين. وفي نظري أن استعمال مصطلح العلمانية بهذا المعنى ( فصل الدين عن الدولة) والترويج له في الأوساط الشعبية عمَل ستكون نتائجه معكوسة تماما. لأنه سيفهم منه فصل الدين عن المجتمع وسلب الناس دينهم. لا توجد كنيسة تجسد هذه السلطة التي يجب أن تعزل أو تنعزل. فحين نقول بفصل الدين عن الدولة، فقد يعني أننا نفصل الدين عن المجتمع، والمجتمع هو الناس، وبالتالي نفصل الناس عن دينهم. هذا الطرح يشكل خطرا كبيرا على مجتمعاتنا لابد أن ننتبه إليه.
وفي المقابل فإننا يمكن أن نأخذ من العلمانية الغربية ما نحتاج إليه في مجال الحداثة، في ميادين التعامل على مستوى الفكر أعني الديمقراطية والعقلانية إذا استطعنا الأخذ بهذين الأمرين كأساس نبني عليه فأعتقد أننا سنكون قد أخذنا ما نحتاج إليه بالفعل من العلمانية.
الشعارات والمفاهيم هي كالأدوات، ما دامت تنفع وتساعد على التوضيح فهي مفيدة وضرورية، أما إذا كانت تزرع البلبلة وتثير ردود فعل معاكسة فيجب أن تستبعد
.”



الثلاثاء، 5 ديسمبر 2017

فلسفة أم تفلسف؟ مُساءلة بعض قضايا الدرس الفلسفي.

بواسطة : Sidki Kamal بتاريخ : 12/05/2017 01:26:00 م





فلسفة أم تفلسف؟ مُساءلة بعض قضايا الدرس الفلسفي.



تحية إلى كل أعضاء الفِرق التربوية لمادة الفلسفة في مختلف الجهات، جنود الدرس الفلسفي الأوفياء
.
1- كثيرا ما يُردّد مدرسو مادة الفلسفة أقوالا لكانط من قبيل "إننا لا نستطيع أن نتعلم الفلسفة وإنما فقط التفلسف". ثم " ينبغي أن يذهب التلاميذ إلى المدرسة، لا ليتعلموا الأفكار هناك، ولكن ليتعلموا التفكير والسلوك".ثم " "لا يمكن للمرء لحد الآن تعلم أية فلسفة، إذ أين هي؟ ومن يمتلكها وأية علامة تدل عليها؟" جميلة هي تلك الأقوال ومُغرية في رهانها التطبيقي وليس التنظري.
لكن حين تقرأ كل الأدبيات البيداغوجية حول تفضيل رؤية كانط على موقف هيجل من تعليم الفلسفة، لا نجد سوى خطاب حول التفلسف من دون تحديد إجراءات ديداكتيكية تُترجم مطلب التفلسف لحظة بناء الدرس الفلسفي أو لحظة ممارسة التفلسف حول نقاش عمومي، وقد يُحاجج البعض أن ليس هناك فعل ديداكتيكي نمطي وجاهز لتحقيق فعل التفلسف.ليس هذا قصدي، وليس قصدي أن نقول لمدرس الفلسفة بعد التنظير لفعل التفلسف :"إذهب أنت وربك فقاتلا" بمعنى بعد التظير يترك للمدرس العوم وحده في مياه التفلسف.طيّب أتمنى طرح هذا التنوع في أجرأة فعل التفلسف ديداكتيكيا لتعم الفائدة، ر.إذا كان كانط يتفلسف في مؤلفاته وفي رهانه من تدريس الفلسفة في الجامعة، فماذا عن الدرس الفلسفي في الثانوي التأهيلي مع تلامذة مراهَقين، نتعاقد معهم منذ البداية بأننا لسنا بصدد تعليم الفلسفة بل التفلسف، لأن الفلسفة ليست معرفة قابلة للتعلّم بل فعّالية وطريقة في التفكير.وقس على ذلك الخطاب حول ممارسة العقلنة والنقد ودفع التلاميذ إلى التفكير بأنفسهم.طيّب، لكن ديداكتيكيا وبعيدا عن العفويةوالإرتجال كيف يتم التحضير المعقلن لفعل التفلسف والنقد والأشكلة.مدرسو الفلسفة ليسوا وًعّاظا بل ممارسين لفعل التفكير، وهذا الفعل يحتاج إلى تحضير مسبق وتخطيط ومهارات تنجح أحيانا وتقشل أحيانا أخرى....درس الفلسفة تجربة وجودية وممارسة فصلية وليس تنظيرا في المحافل والندوات.مدرس مادة الفلسفة أشبه بجندي يلقَى به وسط المعركة ويحارب في الميدان بأسلحة واستراتيجية محكمة لتحقيق النصر. النصر لا يتحقق في المنابر وبالخطب فقط بل في الواقع الواقعي .
من هذا المنطلق ألتمس من مدرسي الفلسفة ومن المراقبين التربويين المُقتنعين بالطرح الكانطي، أن يرفعوا التحدي التالي : بيّنوا لنا إجرائيا كيف تُنجزون دروس مادة الفلسفة من خلال رهان ممارسة التفلسف وليس تعليم معرفة فلسفية جاهزة مُعدّة للتلقي على خلفية الفلسفة كمعرفة تاريخية؟اختاروا مفهوما ضمن مجزوءة وبيّنوا لنا مختلف المراحل الديداكتيكية لأجرأة فعل التفلسف، على خلفية أن التفلسف ممارسة عقلية،وحتى لا نسقط في " ممارسة الخطاب" حول التفلسف وليس "ممارسة فعل التفلسف" والكف عن تقديم معارف فلسفية لذاتها لفلاسفة أنتجوا أطروحات كإجابات عن إشكالات يطرحها المقرر الدراسي. وبالتبعية كيف يتم تقويم التفلسف في المراقبة المستمرة والامتحان الوطني ؟
وحري بالقيّمين على الدرس الفلسفي أن يشرّعوا لتسمية " مادة التفلسف" حتى يدرك التلاميذ الفرق بين الفلسفة والتفلسف، بين المعرفة والفاعلية...ومن الصعب عليهم تقبل الحكم التالي " في درس الفلسفة لن ندرس الفلسفة بل سنتعلم التفلسف.قد تكون هذه العبارة ماكرة، لكن مع التقدم في ممارسة التمرين العقلي يتم إدراك العلاقة الجدلية بين الفلسفة والتقلسف بعيدا عن اللعب بالألفاظ، مع كل الاحترام للفيلسوف هيجل الذي أُريد له أن يُعدم على المقصلة الكانطية حسب التأويل الشائع الذي يفاضل التجربة الكانطية على التجربة الهجلية في تدريس الفلسفة عفوا التفلسف من دون تبرير لهذا التفاضل في العملية التعليمية، ومن خلال تقييم للتجربة في الميدان وليس في خطابات المنابر. ألم أقل لكم هذه قفشات فلسفية تحتاج من مدرسي مادة الفلسفة النبش في المسكوت عته واللامُفكّر فيه.


متى تأخذ قضية " أرْضَنة " التفكير الفلسفي حقها من النقاش والتشجيع؟

بواسطة : Sidki Kamal بتاريخ : 12/05/2017 01:16:00 م



متى تأخذ  قضية  " أرْضَنة " التفكير الفلسفي حقها من النقاش والتشجيع؟

 
وأنا بصدد إعادة قراءة كتاب " الفلسفة واليومي " في الدرس الفلسفي، للباحث نور الدين الزاهي، أحببتُ التذكير بجوهر كلمة تقديم الكتاب من قبل المرحوم الأستاذ أحمد السطاتي الذي كتب :"...يعتقد كثير من الناس أن الفلسفة بمواضيعها ولغتها خطاب مخصوص لجماعة مخصوصة، تقع الإشادة بها على أنها معرفة أرقى تنأى بطبيعتها عن المحسوس والجزئي وتوافٍه المعيش لتغوص في عالم الكلّي المعقول والمطلق بعيدا عن شوائب الحس والتجربة.ويعتقد الآخرون أن الفلسفة حينما  تفارق الملموس وتتعالى عن المعاناة اليومية لعموم الناس إنما تمارس تجوالا وتسكّعا في فضاءات ميتافيزقية غائمة لاطائل من ورائها. يجوز أن تعرف ما لانعرف لكنها تجهل ما نعرف أو تتجاهله في أحسن الأحوال.وصفوة القول من أولئك أو هؤلاء إن الفلسفة إما ترف فكري أو عبث فكري.

ومع كل ما يقال عن ترف الفلسفة أو عبثها فنحن لا نفلت من قبضتها في جميع الأحوال. حياتنا اليومية بكل همومها وضغوطاتها نشعر معها في لحظات التروي والتدبّر بنبض ميتافيزيقي يدق في الأعماق.فكثير من القيم الثابثة والمطلقة التي تشكل أفق الرأي والرؤية وتؤطر السلوك ترسو ، إن حفرنا في تربتها، على قواعد ميتافيزيقية صلبة. حتى العلم  الذي نفاخر به في زماننا، ومعه التقنية وكل أشكال الحداثة، إنما هي تعبير عن  البعد الميتافيزيقي لعالمنا المعاصر..."

وفي ثنايا الكتاب يقول الباحث نور الدين الزاهي :"...لن تظل الفلسفة معرفة، بل ستتحول إلى حركة حياتية.لهذا عليها أن تخرج من دائرتها الاحترافية، دائرة المشتغلين بها لتخترق الحركة الثقافية بمعناها الواسع ومعها فئات اجتماعية وشعبية أوسع...وهذه الحركية قد تتوجه إلى النخب  التي ليست مستغرقة في أسئلة الحاجيات المادية المباشرة، مثل النخب السياسية، وبالضبط النخب الحاكمة لتخلق داخلها نوعا من المواجهة الداخلية إن ما يقوله الفلاسفة وما يرسمونه لا يُغادر نطاق التصورات والأحلام إلى التاريخ الفعلي أو الواقع (ص.55 )...لذا تظل الفلسفة منفصلة عن التاريخ وبعيدة عن الواقع ولا تمتلك إمكانية تحققها الفعلي..(ص 56)....إن التاريخ شاهد على غياب  هذا التحقق الفعلي، والواقع اليومي يبرز باستمرار انفصال الفلسفة وكذلك العلوم عن الإنسان بكل هواجسه وهمومه الحياتية، وربما قد يساعد هذا الانفصال على فهم أحد أسباب الإقبال الذي يتزايد كلما تقدمت المعرفة على المجالات الدينية والميتية وجعلها المرجع الموجه للعلاقة بكل من الفلسفة والعلم.."
    في هذا السياق، يمكن استحضار اجتهادات رواد الفلسفة الجديدة بالمغرب،والمتمثلة في الباحثين عبد العزيز بومسهولي وعبد الصمد الكباص وحسن أوزال، وأتأسف على تجاهل النقاد وباقي المهتمين بالشأن الفلسفي هذه التجربة الفتية والتي لا تسقط في استنساخ الأنساق الفلسفية والإستغراق في التأمل الفلسفي والتفاسير والشروح الفلسفية واحتراف الوساطة الفلسفية بين الباحث وقراءِ مفترضين....تجربة تؤسس لبداية تحقق فعل فلسفي لا يتعامل مع التنظير كغاية بل كمنطلق من التأمل إلى الفعل.

















الاثنين، 27 نوفمبر 2017

هل يمكن استعادة السؤال السقراطي؟ محمد وقيدي

بواسطة : Sidki Kamal بتاريخ : 11/27/2017 06:46:00 م


هل يمكن استعادة السؤال السقراطي؟
محمد وقيدي



(عن جريدة الاتحاد الاشتراكي)
1-نذكر الفيلسوف اليوناني سقراط كلما عدنا إلى بداية الفلسفة،إذ ينسب إليه التحول في التفكير الإنساني الذي أسس هذا النمط من التفكير. ويكمن جوهر التحول الذي قام به سقراط في الانتقال بموضوع التفكير الفلسفي من الطبيعة إلى الإنسان. فقد انشغل الحكماء اليونانيون الذين سبقوا سقراط بالطبيعة محاولين البحث في العناصر التي يمكن إرجاعها إليها. لكن سقراط وجه التفكير نحو الإنسان الذي جعله الموضوع الأساسي للفلسفة، فانشغل التفكير الفلسفي بعد سقراط بحقيقة الإنسان ككائن، ثم بفعالياته الأخلاقية والمجتمعية والسياسية. اقتربت الفلسفة، بفضل توجهها الجديد الذي افتتحه سقراط، من الناس وصار لهم اهتمام بها، حتى ولو كان ذلك أحيانا عبر المواقف الناقدة لها والرافضة لطريقة طرحها لمشكلات الإنسان فردا ومجتمعا في نفس الوقت.
شمل التحول الذي أحدثه سقراط في مسار الفلسفة طريقة التفكير أيضا. فقد صارت تلك الطريقة مرتكزة على السؤال الذي كان سقراط يضعه على من يحاورهم، وهو سؤال لم يكن صاحبه يدعي أنه ينطلق من يقين، أو أنه يريد من ورائه بلوغ يقين بصدد المسائل التي يتعلق بها. ولذلك كان السؤال محيرا بالنسبة لمن كانوا يتلقونه، بل ومقلقا لأنه يسائل ماكان لديهم من يقينات راسخة.
كان سقراط ينتقي من حاورهم ووضع عليهم أسئلته المحيرة، فما يجمع بينهم أنهم حاملو يقينات تستند إلى علم وخبرة في المجال الذي كانت أسئلة سقراط تتجه إليه. سأل الغالم عن معايير بناء الحكم الحقيقي، وسأل الكاهن عن معنى التقوى، والقاضي عن معنى العدالة، وأحرج السفسطائيين مبينا تناقضاتهم. وفي كل مرة ظهر فيها السؤال السقراطي ظهر معه تهافت اليقينات التي كان يحملها بكل كبرياء من اختارهم لمحاورتهم.
اصبح السؤال السقراطي محرجا بالنسبة لفئة خاصة من مواطني المجتمع في أثينا، هم بصفة خاصة ساسة المدينة ومن كانت لهم المكانة السامية فيها. انزعج هؤلاء من السؤال السقراطي الذي بدا لهم ساخرا من يقيناتهم التي كانت مصدر قوتهم في المجتمع.
التف حول سقراط شباب المدينة الذين بهرتهم شخصيته الفريدة، والذين كان يتعلمون منه فن السؤال. ولم يكن سقراط معلما بأجر مثل السفسطائيين الذين كانوا يعلمون الناس فن الدفاع عن آرائهم وإفحام خصومهم دون أن يكون ما يشغلهم هو بلوغ حقيقة الموضوع الذي يبحثون فيه.ورغم أن السؤال السقراطي كان يقصد بدوره إلى إفحام من كان يحاورهم، وإلى تحويل اليقينات التي يأخذون بها إلى إشكالات، فإنه كان يهدف إلى تشكيكهم في الحقائق الزائفة التي يتبنونها ويدفع بهم إلى البحث عن أسس جديدة لتلك الحقائق. السؤال السقراطي مقلق بالنسبة لمن يتلقونه بما يخلقه لديهم من حيرة تبرم منها الكثيرون، ولكن سقراط صرح بأنه عبر سؤاله كان ينقل إلى الآخرين حيرة يعيشها هو نفسه.
لم يترك سقراط أثرا مكتوبا نستطيع الاعتماد عليه اليوم للحديث عن مذهب فلسفي لسقراط، بل يبدو أكثر من ذلك، فإن الطريقة التي مارس بها سقراط وضع أسئلته تتعارض مع صفة المذهب التي يتخذ صيغة نسق فلسفي. ومع ذلك، فإن الفيلسوف الفرنسي أشار في كتابه امتداح الفلسفة إلى أن جميع الفلاسفة منذ بداية الفلسفة إلى اليوم يعترفون بالريادة في مجالهم لهذا الفيلسوف الذي لم يكتب شيئا رغم أن حضورهم كفلاسفة يستند إلى ما يتركونه من آثار مكتوبة. لقد دخلت الفلسفة، كما يبرز ذلك ميرلوبونتي العالم الأكاديمي، إذ فضلا عن اللجوء إلى المكتوب صار الفلاسفة في هذا الزمن بصفة خاصة، أساتذة للفلسفة في الجامعة. وقد ابتعد الفلاسفة بذلك عن سقراط، وذلك منذ تلميذه أفلاطون الذي عبر عن فكره عبر المحاورات التي كتبها والتي مجد فيها شخصية أستاذه وخلد آراءه وذكره في التاريخ. اسس أفلاطون الأكاديمية التي يتم فيها تعليم جميع العلوم وفي مقدمتها الفلسفة، ويكون أفلاطون بذلك قد تفلسف بطريقة مخالفة لطريقة أستاذه سقراط.
لاننسى ضمن هذه الفقرة الموجزة عن سقراط أن نذكر المصير الذي لقيه هذا الفيلسوف الرائد. فقد قادت أسئلته المحيرة والمقلقة إلى توجيه دعوى ضده اتهمه فيها المدعون بالتواصل مع الشباب ودفعهم إلى عدم احترام نظام المدينة ومعتقداتها. وحوكم بهذه التهمة، وصوتت الأغلبية لصالح قتله بتجرع السم. وهكذا دفع سقراط حياته ثمنا لسؤاله الفلسفي.
-2-
ما عرضناه بإيجاز عن شخصية سقراط ومكانته ضمن الفكر الفلسفي اليوناني بصفة خاصة، والفكر الفلسفي بصفة عامة، يمهدنا للإجابة عن السؤال الذي نجيب عنه في هذه الدراسة ك: ماذا كان مصير السؤال الفلسفي بعد سقراط؟ وماذا كان مصير المنهج الذي توجه به سقراط إلى محاوريه؟
هناك أمر أكيد نعرفه من خلال تاريخ الفلسفة هو أن التفكير الفلسفي استمر بعد وفاة سقراط. وأكثر دلالة من ذلك على هذا الاستمرار أن حواريي هذا الفيلسوف، الذين حفظوا ذكراه، وكذلك تلميذه أفلاطون الذي لم يحضر مع أستاذه لحظة النهاية، ولكن الذي مجد أستاذه وخلد ذكراه من خلال المحاورات التي جعله الشخصية الأساسية فيها والتي حافظ العديد منها على الآراء السقراطية.
ورثت الفلسفة عن سقراط أيضا ذلك الوضع الذي قاده إلى توجيه دعوى ضده ومحاكمته بسبب الآراء الفلسفية التي عبر عنها. فانطلاقا من تلميذه أفلاطون ذاته لم يكن الفلاسفة دائما في الوضع الذي يسمح لهم بالتعبير عن أفكارهم بحرية، علما بأن الفلسفة التي تستند إلى حرية العقل في التفكير لايمكن أن تكون إلا في سياق مجتمعي تسود فيه حرية الفكر. عاش الفلاسفة في مختلف العصور نائبات ومحن كثيرة في العصور القديمة، وفي الحضارة الإسلامية كما كان الأمر بالنسبة لابن سينا وابن رشد، ثم في العصر الوسيط المسيحي حيث عانى الفلاسفة من سلطة الكنيسة، بل وحتى في العصر الحديث، كما هو الشأن بالنسبة لديكارت الذي أجل نشر تأملاته توجسا من أن يلقى نفس المصير الذي لقيه علماء عبروا عن آراء تخالف توجهات الكنيسة أو توجهات السلطة القائمة في كل بلد.
تعيش الفلسفة في الوقت الحاضر أيضا، في كثير من المجتمعات، نفس هذه الوضعية. فالفلاسفة متهمون بكيفية صريحة أحيانا، وبكيفيات غير مباشرة وغير صريحة في أغلب الأحوال بالتعبير عن أفكار مناهضة للأسس التي يقوم عليها المجتمع، وتتأسس عليها شرعية السلطة الموجودة فيه. لقد حرقت كتب الفلاسفة في الماضي، ولكن الفلسفة أكثر من ذلك حذفت أحيانا من قائمة المواد التي تتضمنها البرامج الدراسية. ونلاحظ أنها غير موجودة كمادة دراسية في بعض البلدان، أو أن تدريسها يقتصر على أقسام الدراسات العليا. وهكذا نرى أن استمرار التضييق على السؤال الفلسفي، كما صاغه سقراط، استمرت أيضا. وكما أننا نكتب تاريخا للمذاهب الفلسفية في مختلف البلاد والعصور، يكون علينا أن ننتبه أيضا إلى تاريخ الصعوبات التي لاقاها هذا النمط من التفكير منذ بدايته حتى الآن. فمن هذا التاريخ نستخلص العلاقة بين الحرية والفلسفة، وأن هذا النمط من التفكير يغيب حيث تضعف أو تغيب الحريات في المجتمع، وخاصة منها حرية التفكير. لايمكن لكل المجتمعات التحكمية أن تنتج فكرا فلسفيا.
هذان هما المظهران اللذان نجد لهما استمرارا للسقراطية في تاريخ الفلسفة: فهو الإسم الذي يرد ذكره لدى الفلاسفة كلما فكروا في بداية هذا النمط من التفكير. ومن جهة أخرى، فإن اسم سقراط يحضر في قمر الفلسفة، كلما كانت الفلسفة في محنة أو تعاني من صعوبات تضعها بعض المجتمعات في وجه تطورها وسيادة طريقتها في التفكير.
-3-
ماهي، من جهة أخرى، المظاهر التي يصعب على الفلسفة في زمننا أن تستعيدها من السؤال السقراطي؟
هناك أولا فرادة الشخصية السقراطية ومكانتها داخل المجتمع الذي كان ينتمي إليه. فليس في إمكان أي فيلسوف اليوم أن يستعيد شخصية سقراط: الفيلسوف الذي كان يجوب شوارع مدينته أثينا يلتقي بشباب المدينة أو بساستها، ويوجه إليهم الأسئلة التي تحيرهم لكونها تحرجهم في يقيناتهم التي كانوا يظنون أنهم بفعل ما لديهم من معرفة وخبرة حائزون عليها بدون إمكانية لوضعها موضع سؤال. كانت قوة السؤال السقراطي في ذلك الوقت أنه متميز بحيويته وبتواصله المباشر مع من يهمهم أمره، أي مع من يفكرون في نفس القضايا التي يتعلق بها السؤال. غير أنه لم يعد من الممكن، منذ أفلاطون،استعادة السؤال الفلسفي بنفس ذلك التواصل المباشر مع الجمهور، مثلما كان ذلك متاحا بالنسبة لسقراط. لم تعد شروط الحياة في المجتمعات المعاصرة تسمح بشخصية للفيلسوف مثلما كانت حالة سقراط في أثينا المدينة اليونانية التي عاش فيها ومارس التفلسف عبر السؤال.
من جهة أخرى، فإن ما يحول اليوم دون أن تلعب الفلسفة دورها الذي مارسه سقراط هو أن الفلسفة غيرت من طريقة حضورها وممارستها لدورها. لقد دخلت الفلسفة ، كما أشار إلى ذلك ميرلوبونتي، في العالم الأكاديمي، وأصبح التعرف على آراء الفلاسفة يكون من خلال كتبهم.، وبذلك صارت الفلسفة أقل تأثيرا. عندما دخلت الفلسفة العالم الأكاديمي صارت طريقة تعبيرها الأساسية هي الكتب. وقد أكد هيغل
Hegel، وهو يتحدث عن تاريخ الفلسفة، إن أفكار الفلاسفة موجودة في كتبهم التي لاغنى عن العودة إليها لمعرفة تطور الفكر الفلسفي في التاريخ. كما أن أغلب الفلاسفة اليوم، كما ينعتهم ميرلوبونتي، موظفون في مؤسسة رسمية هي الجامعة التي يلقون بها دروسهم الفلسفية. توجد الفلسفة اليوم في أروقة الجامعات وفي المحاضرات التي تلقى بها والمناظرات التي تنظم في رحابها، ولكن علاقتها بالجمهور العام الذي يطمح الفلاسفة إلى التوجه إليه بأفكارهم ضعيفة.
-4-
يمثل سقراط في ذاكرة الفلاسفة كلما فكروا في بداية الفلسفة وفي دورها في المجتمع، ويحضر ذلك الإسم أيضا كلما أثيرت المشكلات التي واجهت الفلسفة خلال تاريخها في الحضارات المختلفة. إنه، كما قلنا، رائد الفلسفة في معناها الأول الأصيل الذي جعل السؤال فيها أهم من اليقين، ومنطلقا لإعادة بناء ذلك اليقين على أسس جديدة. لكن حيث إن الفلاسفة لايستطيعون اليوم استعادة شخصية سقراط في فرادتها وكيفية أدائها لدور الفلسفة في المجتمع، فإن ذلك يقود في الزمن المعاصر نحو البحث عن الكيفيات الجديدة التي يمكن أن تقترب بها الفلسفة المعاصرة من استرداد حيوية السؤال الفلسفي وقدرته على التواصل مع من يريد أن يتوجه إليهم الفيلسوف بسؤاله.وحيث عرفنا أن استمرار الطريقة السقراطية في السؤال لم يعد ممكنا، فإننا نرى أنه بإمكان فلاسفة زمننا أن يبحثوا عن وسائل أخرى يتيحها العصر لممارسة تفلسفهم والتواصل به مع أكبر قدر ممكن من متلقيه. فالعصر يسمح بفضل تطوره العلمي والتقني بممارسة طرق جديدة للتواصل بين الفلاسفة ومتلقي فكرهم.وهذه وضعية جديدة يكون على الفيلسوف المعاصر ان يستفيد منها.
سواء كان الأمر على الصعيد الأكاديمي أو خارج هذا الصعيد، فإنه من الممكن الاتجاه نحو توفير الشروط التي تبدو ممكنة للتواصل بين الفلاسفة أولا، ثم للتواصل بينهم وبين متلقي فكرهم. وإذا كانت الفلسفة تنتشر اليوم عبر الكتاب، فإنه من المطلوب العمل من أجل وصول الكتاب إلى كل القراء الممكنين له: بالنشر وبالترجمة، وحتى عبر الانتشار الإلكتروني لأفكار الفلاسفة، إذ تسمح هذه الوسيلة بشيوع الكتاب الفلسفي في آفاق رحبة لم يكن لها مثيل في السابق. وفضلا عما سلف ذكره، فقد تأسست جمعيات فلسفية في بلدان كثيرة من العالم، ومن شأن التواصل بين هذه الجمعيات والتنسيق بين فعالياتها، وكذلك من خلال عقد المؤتمرات الفلسفية العامة أو التي تهم جهة من العالم يستطيع الفلاسفة التواصل بأفكارهم.
اليوم العالمي للفلسفة مناسبة لكي تستعيد هذه الفعالية الإنسانية تاريخها، وترسخ في ذاكرتها اللحظات الكيفية الخاصة مقابل لحظة سقراط التي تحدثنا عنها. لكن بقدر مايكون على الفلاسفة المعاصرين أن يتذكروا شخصية مثل سقراط، بقدر ما يكون عليهم أن يكونوا على وعي بأن تلك الشخصية لايمكن استعادتها في فرادتها، ولكنه من الممكن استعادة حيوية السؤال الفلسفي بما يتيحه العصر، ولم يكن متاحا للفلاسفة الأوائل..
الأستاذ محمد وقيدي


الأحد، 26 نوفمبر 2017

نهاية الفلسفة النسقية .عرض لوجهة نظر ريتشارد رورتي..عبد المنعم البري.

بواسطة : Sidki Kamal بتاريخ : 11/26/2017 10:16:00 ص






نهاية الفلسفة النسقية
عرض لوجهة نظر ريتشارد رورتي
عبد المنعم البري



Richard McKay Rorty (né le 4 octobre 1931 à New York et mort le 8 juin 2007), est un philosophe américain, considéré comme l'un des représentants majeurs de la pensée pragmatique contemporaine.
Rorty a développé sa pensée aussi bien en philosophie politique qu'en épistémologie. Se réclamant tout à la fois de l'héritage de William James, de John Dewey que de Nietzsche, Heidegger, Michel Foucault ou encore Quine et Davidson, il prétendait dépasser le clivage classique entre philosophes analytiques et continentaux.
En politique, Rorty était « libéral » au sens américain du terme, c'est-à-dire engagé à gauche, et défenseur de la démocratie ; mais il refusait la justification, métaphysique selon lui, que les Lumières donnaient de ces principes.



ماذا تعني نهاية الفلسفة؟ إنها تعني تجاوز شكل معين من الفلسفة لفتح المجال أمام شكل جديد. وفي هذا الاتجاه يقدم الفيلسوف الأمريكي المعاصر ريتشارد رورتي Richard Rorty (ولد عام 1931) مراجعة تفكيكية لمفهوم الفلسفة ولحدوده. ويصوغ تمييزات ومفاهيم جديدة يتم على هامشها تحديد الفعل الفلسفي، ويكشف عن الانزياحات التي تتعرض لها الثنائيات التقليدية التي تحكمت لمدة طويلة في تمييز هذا الفعل. وفي هذا الإطار تتقمص الفلسفة عنوانا جديدا استلهمه رورتي من هيرمينوطيقية الفيلسوف الألماني هانزجورج غادامير H.G. GADAMER (ولد عام 1900)، ومن وجودية الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر J.P.SARTRE (1905-1980) والفيلسوف الألماني مارتن هايدغر M.Heidegger (1889-1976). وهذا العنوان ذو الأصل الهيرمينوطيقو-وجودي هو: "الفلسفة المنشِّئة" La philosophie édifiante(*) .
1 - الفلسفة المنشئة/الفلسفة النسقية.
ارتبطت الفلسفة مع إيمانويل كنط E. Kant (1724 - 1804) بنظرية المعرفة فأضحت تتبوأ رتبة "تأسيسية" جعلتها تنفرد بامتياز خاص عن بقية قطاعات الثقافة. وقبله مع رينه ديكارت R.Descartes (1596 -1650) وجون لوك J. Locke (1632-1704) تم اعتبار الفلسفة كحقل يمكن من تجاوز مستوى "الرأي" البسيط، ويفتح طرقا واضحة ومتميزة تقود نحو "اليقين"(1). وقبل ذلك بكثير كانت الفلسفة مع أفلاطون PLATON (حوالي: 427-347م) علما محصنا داخل أسوار أكاديمية رفعت على مدخلها جملة تخصيصية تقول: "لا يدخلها إلا من كان رياضيا". فحكم على الفلسفة أن تعيش على وتيرة الصرامة الرياضية والمنطقية التي تتعارض مع تفتح القول الشعري وحريته. إن هذه اللحظات الأفلاطونية والديكارتية والكنطية تؤكد أن تاريخ الفلسفة، ومعه تاريخ بقية المعارف، هو تاريخ لـ"نظرية المعرفة" ولاستبداداتها المرآوية(2). وهكذا فإن الصورة المهنية التي تضفيها الكنطية الجديدة على الفيلسوف هي، في نظر رورتي، صورة مقرونة باعتبار "العقل" و "اللغة" مرآتين للطبيعة(3)، أي أداتين للوصول إلى جوهر المعرفة. وفي هذا الاتجاه تتحول الفلسفة إلى أداة للبحث عن البنيات الثابتة التي تتأطر داخلها المعرفة والثقافة والحياة. ويتسنى لها ذلك من خلال قوالب التمثلات ذات الامتياز التي تختارها كموضوع لها(4).
إن النظر إلى الفلسفة من زاوية أقنوم "مرآة الطبيعة" لا ينفصل، حسب رورتي، عن تحديد الإنسان باعتباره كائنا يملك جوهرا مرآويا يتمكن بواسطته من الوصول إلى معرفة تخفي الكثير من الحقائق السامية. فالإنسان جوهر جوهره هو اكتشاف الجواهر(5). إن هذا التحديد الميتافيزيقي لمفهوم الإنسان يستدعي من الفلسفة أن تنظر إلى "الذات" باعتبارها "موضوعا" مثل باقي المواضيع الأخرى. وينتج عن هذا اعتبار كل الأوصاف الممكنة متقايسة، وذلك نظرا لوجود لغة وصفية وحيدة، هي لغة الفلسفة ذاتها. فعادة ما يفترض في هذه الأخيرة أن تزودنا بوصف كلي يمكننا من مطابقة "الكائنات البشرية كما يعرفنا بها وصف معين" مع "جوهر" الإنسان(6). يظهر إذن أن فكرة الإنسان باعتباره مرآة للطبيعة، أي كائنا يملك جوهرا مرآويا يتمثل بواسطته الحقيقة الجوهرية لما يوجد أمامه، تفترض خطابا فلسفيا "سويا"(*) يسع لاحتواء وتوحيد كل الخطابات الأخرى داخل لغة واحدة تلتحم مع الجوهر المرآوي وتقوم كقالب محايد لـ "مقايسة" جميع الخطابات.
فالانتقال من منظور الفلسفة المرآوية المؤسس على "نظرية المعرفة" إلى المنظور "اللامعرفي" للفعل الفلسفي يقتضي أولا، مع رورتي، هجرة مقولة الإنسان باعتباره "جوهرا مرآويا" يملك القدرة على معرفة باقي الجواهر الأخرى. وفي هذا السياق يستلهم رورتي بعض الأفكار "الوجودية" من الفيلسوف الفرنسي ج.ب. سارتر، والتي تتعلق بالوجود الإنساني. إن أهمية التصور الوجودي تنبع من كونه يسمح بالإعلان عن كون الإنسان لا يملك جوهرا ما. وبعبارة سارتر "إن جوهر الإنسان هو أن يكون بدون جوهر"، حيث إنه لا مجال للاعتقاد في كوننا نملك طبيعة ميتافيزيقية خفية وعميقة تمكن الفلاسفة من الحديث عن حقيقة ضرورية تتحكم في الوجود الإنساني. وذلك لأن محاولة معرفة العالم، وبالتالي معرفة أنفسنا، معرفة موضوعية هي، في نظر سارتر، محاولة للتخلص من مسؤولية اختيار مشاريع تخصنا لوحدنا(7)، أي من مسؤولية الاختيار بين الأفكار والكلمات، أي عبر الجمود داخل الوجود "في-ذاته"، وبالتالي فهي محاولة لإنهاء حريتنا في إنشاء مقاربات ونظريات وخطابات أخرى(8).
عندما ينظر إلى الكائنات البشرية كمواضيع وليس كذوات، أي كموجودات "في-ذاتها" وليس "لذاتها" فإن هدف الفلسفة يصبح حينئذ هو اكتشاف هذه الحقيقة الجاهزة التي تزودنا بعبارات تسمح بمقايسات نهائية لكل الأبحاث والأنشطة الإنسانية(9). بعبارة أخرى، إن البحث عن المقايسة، أو أيضا محاولة إقصاء كل محاولة أخرى عبر إيجاد وسيلة لاختزال كل الأوصاف الممكنة إلى وصف واحد؛ هو، في نظر رورتي، تعبير عن إرادة الانفلات من القدر الإنساني المطبوع بالخلق والحرية.
يشير رورتي إلى أن سارتر يسمح لنا بفهم أن المصورة البصرية التي تتأسس عليها الفلسفة الغربية هي مصورة تفارق ذاتها باستمرار. وبلغة مجازية، إن "مرآة" الطبيعة متى كانت شفافة فإنه لا يمكن أن نميزها عن ذلك الشيء الذي تعكسه، إذ تفارق ذاتها وتتحول إلى عين ذلك الشيء. فإذا كانت "المرآة"، بهذا المعنى، تفقد مرآويتها، فإن الكائن الإنساني بدوره عندما يتحول عقله إلى "مرآة" تعكس الطبيعة وتتطابق معها، فإنه، حسب سارتر، يفقد إنسانيته ويتحول إلى صورة إله. إن هذا الكائن الإنساني لن يكون في حاجة إلى -ومن هنا لن يكون قادرا على- الاختيار بين مختلف الحالات والأوصاف. فهو من الناحية الإيجابية "إله"، لكنه من الناحية السلبية مجرد "آلة بسيطة"(10) ما دام أنه يفقد القدرة على التصرف والاختيار.
يعلمنا هذا التأويل المجازي أن الإنسان المرآوي، في ظل الفلسفة المرآوية، يفقد إنسانيته كما تفقد المرآة المجلوة مرآويتها عندما تذوب في الشيء الذي تعكسه. والفلسفة التي تقوم على هذا التصور هي فلسفة "سوية" ينظر إليها باعتبارها تقدم قواعد لمقايسة بقية الخطابات. إنها ذلك المبحث الذي يراد منه أن "يسلك الطريق المضمونة للعلم" كما رسمها لها أفلاطون وديكارت وكنط وغيرهم. إنها فلسفة الرياضيات والفيزياء لا فلسفة الشعر والذوق. إنها عقيدة لبناء وتشييد حصون مغلقة للحقيقة واليقين وليست فلسفة مفتوحة للابتكار والتنشئة والإصلاح.
يقدم رورتي تصوره الجديد للفلسفة على أرضيته المعنى الذي يمنح للدائرة الهيرمينوطيقية عبر معارضتها بنظرية المعرفة. وبهذا الصدد تكفي الإشارة إلى أن الهيرمينوطيقا ليست لا منهجا للبحث، ولا خطابا سويا قابلا للمقايسة، ولا بديلا عن نظرية المعرفة، ولا أداة لبناء "حقل لا-تاريخي للاتفاق". إنها، عكس ذلك، خطاب شاذ ولا متقايس، ودعوة لترك أبواب النقاش والمحادثة مشرعة، ومجال للابتكار والتأويل وقول ما لم يسبق قوله. إنها حقل للاستئناس بكل ما هو غريب وأجنبي.
كي يدعم رورتي توجهه الهيرمينوطيقي في تحديد الفعل الفلسفي، يستلم بعض أفكار الفيلسوف الألماني هـ.ج. غادامير من خلال كتابه: الحقيقة والمنهج. والهيرمينوطيقا من خلال هذا الكتاب "ليست منهجا للوصول إلى الحقيقة"، إنها "ظاهرة لا علاقة لها بمشكل المنهج"(11). وهذا التحديد يساعدنا على التخلص من النظر إلى الإنسان بصفته يحمل "جوهرا مرآويا" يقدم معجما سويا لمقاسية كل الخطابات(12). ويتناغم مع مفاهيم: اللامقاسية والشذوذ والانفتاح والتطوير. ويتعرض غادامير لمفهوم جديد ينسجم مع هذا الحقل المفاهيمي. وهو مفهوم الـ Bildung(*) وهو يتعارض مع مفهوم "المعرفة" ويحل محله(13).
يعني مفهوم الـ Bildung عند غادامير الـ"شيء الذي يكون غاية في ذاته" وهو يرتبط بالإطار التاريخي الذي ينبثق منه ولا يهتم بمفهوم "الجوهر" ولا بالفكرة التي تفيد أن اختزال فعل التربية إلى مجرد تعلم خالص وبسيط لنتائج البحث السوي، وإلى رفض التصور "الموضوعي" الذي يقصي كل محاولات البحث الشاذ بمبرر أنها محاولات لا تنضبط لقواعد البحث السوي(15). وفي سياق هذا المنظور الهيرمينوطيقي تؤول الحقيقة باعتبارها مكونا من مكونات التربية؛ حيث إن اكتسابها يظل نسبيا ومرتبطا بالسياق التربوي الذي ترد فيه. ويشير رورتي إلى أن هذا المنظور ليس ممكنا إلا إذا تموقعنا في جهة "الآخر"، ومن ثمة تضحى عملية التثاقف هي منطق كل عملية تربوية(16). لأن المشروع التربوي لا يمكن أن ينحصر داخل براديجم سوي ومغلق يزودنا بقواعد أخلاقية جاهزة وأبدية. فبدل " امتلاك" القواعد والحدود الموجودة trouvées والجاهزة، تدعو العملية التربوية -اقتداء بالهيرمينوطيقا- إلى فتح الأبواب أمام الخلق والإبداع والتحديد. ولعل هذا ما يؤكده ريتشارد رورتي عندما يقول: "إنه من وجهة النظر التربوية-بما هي تتعارض مع وجهة النظر المعرفية والتقنية-يعتبر فن التعبير عن الأشياء أهم من امتلاك الحقائق"(17) L’art de formuler les choses prime sur la possession de verites.
هكذا يصبح جليا، مع رورتي، أنه ثمة تقاطع والتقاء بين التصور "الوجودي" الذي يؤكد على مسؤولية الإنسان واستقلالية اختياره عبر رفض جميع التحديدات الجوهرية والارتباطات الماهوية مع جوهر خارجي معين، وبين التوجه الهيرمينوطيقي و "التربوي" الذي يرفض، بدوره، الخضوع لأي معيار موضوعي أو عقلاني مستنبط من إطار لا-تاريخي وفوق-ثقافي. إن هذا التقاطع والالتقاء يشجعان الإنسان على صنع الأشياء وابتكارها، وليس على الخضوع لركام المعايير الموروثة. إن مواقف سارتر وهايدغر وغادامير اتجاه الموضوعية والعقلانية لا تأخذ، حسب رورتي، معناها إلا عبر التخلص من كل معيار يتم التمكن منه من الخارج. وبهذا المعنى فـ"الوجودية" معناها إلا عبر التخلص من كل معيار يتم التمكن منه من الخارج. وبهذا المعنى فـ "الوجودية" هي تيار فكري ارتكاسي réactif لا يستمد صلاحيته إلا من خلال التعارض مع تراث معين(18).
عندما يستلهم رورتي بعض الأفكار الوجودية والهيرمينوطيقية فإنه يفعل ذلك لأجل تطعيم أحد المفاهيم الاصطلاحية التي يختارها لنعت تصوره الخاص للفلسفة. وهذا المفهوم الذي يحمل اسم "التنشئة" L’édification يتموقع، حسب ريتشارد رورتي، بين تخوم عبارة "التربية" l’éducation ومفهوم الـ Bildung. وقد اختاره "ليعين به عملية التنقيب عن الصياغات الجديدة والجيدة والأكثر أهمية وخصوبة". ولتوسيع معنى هذا المفهوم يقول: "إن فعل "التنشئة" يمكن أن يأخذ شكل نشاط هيرمينوطيقي يتمثل في ربط ثقافتنا مع كل الثقافات والمراحل التاريخية الأخرى، وفي ربط معرفتنا بمعرفة أخرى تبدو أنها تتبع أهدافا لا متقايسة في لغة لا متقايسة". كما أن "التنشئة" يمكن أن تأخذ شكل النشاط "الشعري" الذي يكمن في رسم غايات ومفاهيم ومعارف جديدة، ثم في إعادة تأويل عكسي لمحيطنا المألوف في لغة أجنبية عن سياقنا النظري الجديد. ويضيف أن مثل هذا النشاط هو- رغم اشتراك الكلمتين في المعنى- منشئ édifiant دون أن يكون بنائيا constructuf. لأن هذه العبارة الأخيرة تعني نوعا من التعاون الخاص بخطاب سوي يسمح بتحقيق برنامج معين للبحث. أما الخطاب المنشئ فيفترض فيه، حسب رورتي، أن يكون خطابا شاذا تجتثنا غرابته étrangeté من عاداتنا المهترئة وتقوم بتجديد وإنعاش وجودنا(19).
ولما كان قصد رورتي هو تطوير التعارض الذي يقيمه بين "نظرية المعرفة" وبين "الدائرة الهيرمينوطيقية" فإن التعارض الذي يقيمه الآن بين الفلسفية "النسقية" والفلسفة المنشئة" هو تعارض بين فلسفته نسقية تعتبر "نظرية المعرفة" جوهرها الأساسي وبين فلسفة منشئة تشك في كل خطاب معرفي يتقدم باعتباره خطابا "سويا" يمكننا من مقايسة عامة لكل الخطابات المختلفة عبر تقديم ميتا-قاعدة تدعي حل المشاكل الأبدية(20). وهذا التعارض هو تعارض بين فلسفة "مركزية مشروعة" وبين فلسفة "هامشية شاذة".
إن الفلسفة النسقية، في نظر رورتي، هي فلسفة تنسجم مع التراث الفلسفي الغربي الذي يعتبر "المعرفة" هي البراديجم الوحيد للنشاطات الإنسانية، حيث يتم تفسير مجموع الثقافة على ضوء النتائج المعرفية. وفي كنف هذا التراث يتم التركيز على فكرة "الإنسان-مرآة-الطبيعة" حيث ينظر إلى الإنسان باعتباره كائنا يملك جوهرا مرآويا يمكنه من معرفة بقية الجواهر الأخرى. غير أنه على "هوامش" هذا التراث الفلسفي نجد، حسب رورتي، أسرة من الفلاسفة لا ينضوون داخل "تراث محدد". وهؤلاء الفلاسفة "الهامشيون" يشكلون -على نحو "وجودي" - في الفكرة التي تعتبر أن جوهر الإنسان هو معرفة الجواهر، ويشكون، أيضا، في إمكانية وجود مبحث يوضح "الطبيعة الإنسانية" ويجعل من العقل نورا يضيء بقية الثقافات الإنسانية(21). إن دور هؤلاء الفلاسفة، الذين يسميهم رورتي بالفلاسفة "المنشئين"، هو معالجة الوهم الذي يكمن - بعبارة سارتر- في اختزال الوجود الإنساني إلى الوجود-في-ذاته عبر إقصاء الوجود لـ-ذاته؛ وهم يؤكدون على تأويل الكائنات الإنسانية ليس باعتبارها مواضيع جامدة وإنما باعتبارها مصدرا لمزيد من الأوصاف الجديدة(22).
إن الفلسفة "المنشئة" على عكس الفلسفة "النسقية" لا تبحث عن تقديم إجابات للمشاكل الفلسفية التقليدية، وهي ضد البحث عن مقايسة كلية داخل خطاب نهائي(23). وهذا يعني أنها ترفض اعتبار الفلسفة كخطاب يكشف عن الحقيقة الموضوعية كيفما كان نوعها. وفلاسفتها يتصرفون بطريقة "شاذة" ضد كل قاعدة عامة تدعي حل المشاكل الأبدية. فإذا كان الفلاسفة النسقيون بنائيين constructifs في قضاياهم، أي يبنون براديجمات "سوية" ويقدمون براهينهم على ذلك، فإن "المنشئين"، وعلى غرار الوجوديين، هم فلاسفة ارتكاسيون réactifs، أي أنهم ينفعلون ويشكون في كل تراث أو عمل أبدي ولا-تاريخي، وهم مقتنعون أن صلاحية أعمالهم ستزول بزوال المرحلة التي ينفعلون اتجاهها. إنهم-على عكس النسقيين الذين يشيدون خطاباتهم من أجل الخلود- يتعمدون الهدم من أجل خير ومصلحة جيلهم الخاص. وبعبارة رورتي، إنهم فلاسفة "هامشيون" بصفة "قصدية"(24)، بمعنى أنهم يستحسنون تجاوز وإصلاح خطابهم الخاص في أية لحظة تاريخية تستدعي ذلك.
ولما كانت الفلسفة النسقية منذ أفلاطون تحلم باقتفاء الطريق المضمونة للعلم فإن الفلسفة المنشئة-وعلى خطى نيتشه Nietzsche (1844-1900) وهايدغر- ترغب، كما يرى رورتي، في إطلاق العنان لتلك الدهشة التي يولدها الشعراء؛ وهذه الدهشة تكون أمام الأجنبي والغريب. وهم بذلك يفجرون تلك الحصون البرهانية والعقلانية التي طالما تقوقعت الفلسفة داخل أسوارها.
إن التخوم بين الفلسفة والشعر هي تخوم وهمية لا نستطيع أن نحدد من خلالها حدود الداخل والخارج، إذ الداخل قد يصبح خارجا والخارج داخلا. وبهذا الصدد، من المجدي الإشارة إلى تفكيك رورتي -من خلال مناقشته لجاك دريدا J.Derrida (ولد عام 1930)- للتمييز التقليدي بين الحقيقة والمجاز، بين الفلسفة والأدب. وفي هذا الإطار لا يقبل رورتي اعتبار الفلسفة كمبحث يرفض كل شكل "أدبي"(25)، أو كمبحث يحتل رتبة مركزية داخل ثقافتنا(26). ف"من الأحسن اعتبار الفلسفة مجرد جنس أدبي بسيط"(27). ومن هنا فلا معنى لدعوى الفلاسفة الذين ينفون عن أمثال نيتشه وهايدغر صفة "الفيلسوف".
من الواضح إذن أن الاختيار "الشعري" للفلسفة المنشئة يظل اختيارا ضد الممارسة السوية للعلم السوي، وضد اعتبار الفلسفة كل الأسئلة التي تهم الاختيارات الأخلاقية والتربوية. ما دام أن كل الأسئلة المفترضة تجد حلولها جاهزة داخل القواعد المعطاة للحقيقة وللموضوعية(28). ومن هنا فالفلسفة كما يتصورها رورتي هي أقرب إلى الانفتاح الشعري وإلى الخطابات الشاذة، لأن الفلسفة المنشئة لا تشترط تأشيرات صارمة لاستقبال الخطابات المغايرة. فكل شيء، وكيفما كان، يجوز أن يكون موضوعا يمكن تناوله من طرفها(29). أما الفلسفة التي تظل حبيسة التخصص الأكاديمي، فهي في نظره، فلسفة عديمة الفائدة. وأولى لها أن تكون منشئة ومهتمة بالاختيارات الأخلاقية(30). وجدير بها أن تنفتح على جميع الخطابات الممكنة بدل أن تنطوي نرجسيا على مركزيتها.
2 - الفلسفة المنشئة: المحادثة ضد المجابهة.
ولما كانت الفلسفة المنشئة لا تقبل التمركز داخل نظرية المعرفة -وبالتالي داخل المجازات المرآوية التي تجعل من الإنسان "مرآة" مجلوة تعكس الطبيعة وتتمثل إدراكيا موضوعات غير إنسانية- فإن رورتي يعتبرها محاولة لزحزحة العلاقة المرآوية بين الكائنات الإنسانية وبين مواضيع نظرها وتأملها؛ ليتم تحويلها إلى علاقة محادثاتية بين أشخاص معينين وبين نماذج تبريرية متنافسة(31). ولعل إجراءه هذا يدين بالفضل إلى التصور الشمولي holiste للغة. وهذا ما يؤكده عندما يعتبر أن أبطاله المنشئين (ديوي J. DEWY (1859-1952) وفيدجنشتين L. WITTGENSTEIN (1889-1951) وهايدغر - يدعون إلى تخليص أقوالنا من جميع المجازات البصرية والمرآوية، وذلك عبر النظر إلى الكلام خارج فكرة "التطابق" والتمثل. حيث إن الملفوظات في نظرهم لا تحيلنا إلى العالم وإنما إلى ملفوظات أخرى(32).
ومتى كانت الفلسفة مؤسسة على الإدراك المرآوي للعالم، يصبح الإنسان كائنا معزولا عن أقرانه، وتغدو اللغة التي يستعملها "شكلا" جامدا ينتظر "مضمونا" خارج الإنسان لتتطابق معه. أي أنها تتحول بدورها إلى مرآة تعكس الطبيعة. وفي هذه الحالة تحل "المجابهة" Confrontation La بين الإنسان/اللغة، من جهة، وبين العالم من جهة أخرى، محل "المحادثة" La conversation بين أكبر عدد ممكن من الكائنات البشرية. ولما كانت رغبة رورتي الأخلاقية والبراجماتية ترنو إلى توسيع العلاقة المحادثاتية-على مستوى أفقي- بين الكائنات البشرية، فإنه ينظر إلى الفلسفة المنشئة باعتبارها صوتا يهدف إلى إحياء المحادثة، وليس باعبتارها علما يهدف إلى اكتشاف الحقيقة. فالفلاسفة المنشئون لا يتوخون المساهمة في بحث ما، ولا يبحثون عن أجوبة لأسئلة تقليدية. إنهم، بدل ذلك، يشتاقون إلى متابعة المحادثة وإلى توفير الشروط لنجاحها. ومن هنا فالحكمة لا تعني محبة البرهان والحجاج، وكمالها لا يكمن في اكتشاف أحسن لغة لتمثل الجواهر. إنها، في تأويل رورتي، تعني الممارسة الضرورية لكل من يريد المشاركة في محادثة ما. إن الفلسفة المنشئة تصبح "مثل" محبة الحكمة عندما ينظر إليها باعتبارها تهتم بالتخلص من ربط المحادثات، بطريقة سوية، مع برنامج معين(33).
بالإضافة إلى أن الفلسفة المنشئة هي خطاب "شاذ" فإنها، وكما سبق الذكر، خطاب ارتكاسي. حيث لا معنى لها إلا كاحتجاج ضد المحاولات التي تهدف إلى عرقلة المحادثة عبر تقديم أشكال محددة للمقايسة العامة(34). واستلهام الفيلسوف المنشئ لواقع أو لإمكانية الخطابات الشاذة هو تقويض للثقة التي نزرعها في المعارف التي تقوم على خطابات سوية. وذلك لأن هذه الثقة السيئة، في نظر رورتي، هي ميزة الخطاب المعرفي السوي الذي يميل إلى عرقلة لعبة المحادثة عبر إعطاء لغة قواعدية canonoque لتناول مشكلة ما. أي لغة نهائية لمقايسة كل الخطابات الممكنة. والحال، فالفلسفة المنشئة تقف بالمرصاد في وجه هذه المقايسة التي هي روح الفلسفة النسقية(35).
وبالجملة، إن "المحادثة" في نظر رورتي هي السياق الأخير الذي يعطي للمعرفة وللفلسفة معناهما وقوامهما النظري والعملي. ولهذا نجده يركز على ضرورة النظر إلى النقاشات الفلسفية المعاصرة باعتبارها تحولا معينا خاصا بلحظة محددة من المحادثة، أو كنتاج للأحداث التاريخية وللأدوار التي يقوم بها الفلاسفة داخل محادثة ما(36). ولذا فالفلسفة في ظل هذا التحديد التربوي والمحادثاتي لا تفتأ تتحول إلى "مجرد جنس ثقافي" أو إلى "مجرد صوت داخل المحادثة الإنسانية"(37). واستلهاما للحوار السقراطي الذي يعلن عنه أفلاطون -دون استعادة المشاكل التي تناولها هذا الأخير- يتضح لرورتي أن الفلسفة باعتبارها صوتا من أصوات المحادثة هي شيء مختلف عن اعتبارها مادة أو حقلا للأبحاث المهنية(38). وهذا يعني أن الخطاب الفلسفي لا يمكن أن يسلك الطريق المضمونة للعلم، أو أن يتقدم كبديل عن نظرية المعرفة أو كمركز لبقية الثقافات، أو أن يعين لها "أسسا" ويزودها بقوالب عقلية أبدية لا تاريخية وفوق -ثقافية. إن الفكرة التي مفادها أن الفلسفة تمثل مبحثا ينقب عن التمثلات المرآوية ذات الامتياز هي، حسب رورتي، فكرة غير مستساغة(39). وذلك لأن الفلسفة لا يمكن أن تملك "أسسا" لا تاريخية، ولا يمكن أن تعين مبحثا يتواجه مع مشاكل أبدية، بل إنها مجرد "صوت" محادثاتي يتفاعل مع شروطه وحيثياته التاريخية(40).
في سياق ما سلف، يبدو أن موقف رورتي من الفلسفة يتجه نحو إبعاد الفلسفة عن "مركز" الثقافة، ونحو نزع الهالة التأليهية التي طالما تمتعت بها في إطار التراث الغربي. وهذا الإجراء ينسجم مع قوله: " إنه لا يمكن لأي جهة من جهات الثقافة أن تملك امتيازا أكثر من الأخرى، سواء تعلق الأمر بجهة الأساقفة أو الفلاسفة أو بجهة رجال العلم أو الشعراء"(41). ومن هنا، فالتخلص من الفكرة التي تقول إن الفيلسوف هو الوحيد الذي يحيط بمكونات المعرفة يسمح، في نظر رورتي، بالتخلص من الفكرة التي تقول إن صوته يجب أن يتفوق على صوت المشاركين الآخرين في المحادثة. فالفيلسوف لا يخفي معرفة خاصة به، تتعلق بالمعرفة أو بأي ميدان آخر ، تمكنه من استخلاص النتائج الكاملة والأبدية(42).
قد يتبادر إلى الذهن أن الفلسفة، مع رورتي، تأخذ طريقها نحو "النهاية". كيف لا، وقد تحولت معه إلى مجرد "جنس أدبي"، وإلى "مجرد صوت داخل المحادثة الإنسانية"! بيد أن هذا القلق سرعان ما يرتفع عندما يستدركنا رورتي ويقول: "ومع ذلك، إن الفلسفة في كل الحالات ليست مهددة بـ" الموت"(43). وإنه طالما وجد هناك أساتذة قرأوا الفلاسفة الكبار فإنهم سيفرضون أنه ما بقيت هناك جامعات فستبقى فيها شعب للفلسفة. ورغم هذه التحولات التي عرفها تاريخ الفلسفة والتي تبدو فيها فلسفة القرن العشرين كخطوة انتقالية، فإنه سيبقى هناك دائما شيء ما يحمل اسم "الفلسفة"(44). إننا -كما يقول رورتي- سنكون دائما في حاجة إلى فلاسفة، ولكن ليس بالنظر إليهم كأنبياء أو مخلصين وإنما فقط باعتبارهم مفسرين وواعظين. فالفلاسفة هم أشخاص متموقعون تاريخيا، ودورهم ينحصر في الاقتراحات التي يقدمونها للغتنا الخاصة. إنهم مواطنون صالحون سواء داخل جمهورية الثقافة أو داخل المجتمع المدني(45). ومن هنا يصبح الرهان الأخلاقي للفلاسفة هو تتبع المحادثة وليس البحث عن مكان للمشاكل الفلسفية الحديثة داخل هذه المحادثة(46).
إن المجال لا يسع للتعليق عل كل ما سبق عرضه بصدد الفلسفة. أولا، لأن الأمر لا يتعلق بمجرد رد فعل عدائي أصدره ريتشارد رورتي ضد الفلسفة، وإنما بقول يندرج في إطار خطابات "النهاية" التي سادت القرن العشرين والتي انخرط فيها نتيجة احتكاكه بالفلسفة القارية. وثانيا، لأن نقد رورتي للفلسفة النسقية وللمفاهيم المرتبطة بها يمهد لإشراك الفعل الفلسفي في سياقات لا تخلو من غايات إيديولوجية وبراجماتية، وفي هذا ظل وفيا للفلسفة الأمريكية التقليدية.
الهوامش
1 - Richard Rorty. L'homme spéculaire. Edition Seuil, Paris, 1990, pp. 154-158.
2 - نفس المرجع، ص 427
3 - نفسه، ص ص 429-430
4 - نفسه، ص 187
5 - نفسه، ص 393
6 - نفسه، ص 415
7 - نفسه، ص 397
8 - نفسه، ص 413
9 - نفسه، ص 415
10 - نفسه، ص 413
11 - نفسه، ص 394
12 - نفس المرجع، ص 393
13 - نفسه، ص 395
14 - نفسه، ص 398-399
15 - نفسه، ص 399
16 - نفسه، ص 401
17 - نفسه، ص 395
18 - نفسه، ص 402
19 - نفسه، ص 396
20 - نفسه، ص 403
21 - نفسه، ص 403
22 - نفسه، ص 415
23 - نفسه، ص 405
24 - Ibid, p. 406. Voir aussi Rorty ( R) "Le cosmopolotisme sans émancipation”, in CRITIQUE, Mai 1985, n° 456, p. 577.
25 - Rorty (R ), Science et solidarité, la vérité sans le pouvoir, ed. L’aclat, 1990, p. 87.
26 - Rorty (R ), L'homme spéculaire, p. 108.
27 - المرجع نفسه، ص 110
28 - نفسه، ص 420
29 - نفسه، ص 424
30 - نفسه، ص 422
31 - نفسه، ص 427
32 - نفسه، ص 405-408
33 - نفسه، ص 409
34 - نفسه، ص 414
35 - نفسه، ص 424
36 - نفسه، ص ص 428-429
37 - نفسه، ص 294
38 - نفسه، ص 428
39 - نفسه، ص 195
40 - نفسه، ص 294.
41 - Rorty (R ), Science et solidarité, p.11
42 - Rorty (R ), L'homme spéculaire, p. 430
43 - المرجع نفسه، ص 431
44 - المرجع نفسه والصفحة نفسها.
45 - Rorty (R ), Science et solidarité, p. 12
46 - Rorty (R ), L'homme spéculaire, p. 432.


(عن موقع محمد عابد الجابري.)  أتمنى من ذوي الحقوق إعادة تحيين العديد من روابط الموقع والتي لم تعد تعمل..وهذه الدراسة واحدة  منها قبل أن أعمل على تحميل عدد من الموضوعات قبل تعطّل الروابط)
philo.top-me.com ©. يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تعديل : عبدالرحيم