Please enable / Bitte aktiviere JavaScript!
Veuillez activer / Por favor activa el Javascript! [ ? ]

الأحد، 16 سبتمبر 2018

هل هناك فـلاسـفة عـرب معاصرون؟ برهان شاوي

بواسطة : كمال صيدقي( sidki kamal) بتاريخ : 9/16/2018 05:34:00 م





هل هناك فـلاسـفة عـرب معاصرون؟

 نص الملف الذي نشرته إيلاف في موقعها القديم في كانون الثاني 2004،


 بُـرهـان شـاوي

الحلقة الرابعة.

* لدينا كليات للفلسفة، ولدينا باحثون في الفكر الفلسفي، ولدينا شراح نصوص ومؤرخون، لكـن أين مشـرعـنا الفلسـفي؟
* هل صـار عرض فلسفات الآخرين، والتعليق على نصوصهم، هو فلسفتنا؟
* كم كتابا في الفلسفة يصدر عن دور النشر العربية سنويا؟
* لماذا يؤرخ عبد الرحمن بدوي لنفسه فقط في الموسوعة الفلسفية، وهل ننتظر مفاجئات في الانتاج الفلسفي من العراق بعد سقوط الحكم الدموي فيه؟

* هـل الواقــع العربي المعاصـر معـاد للفلسفة ولإعمال الفكـر بشكل عام؟

 قـد يبدو غريبا أن نحـاول هنـا مناقشـة قضية شـائكة وعميقة، كانت، ولاتزال،ابعد ما تكون عن وسـائل الاعـلام العربيـة، بكل أشكالها المقروئة والمسموعة والمكتوبة. قضية كان تراثنا القديم يطلق عليها لفظ (الحكـــمة)، وأسس لها علوما سميت (علوم الحكمــة) رغم أن بعضهم أطلق عليها أنذاك ايضا نفس الاسم الذي يطلق عليها اليوم في في الفكر المعاصر، ونقـصد هنــا (الفلســـفة)!!.
للفـلسـفـة في جامعاتنا العربية، وفي جامعات العالم العريقة، كليات وأساتذة مختصصون، حيث تُدرس على مدى أربع او خمس سنوات، كما تُمنح فيها الشهادات الجامعية والشهادات العليا، بل ان أعلى شهادة الدكتوراه في مجال الدراسات الانسانية تمنح تحت لقب(دكتورفلسفة)، ثم يعلن عن مجال التخصص الدراسي والأكاديمي!!. لكن الفلسفة ليست مهنة أو حرفة، أو وظيفـة إدارية، أوإجتماعية، فلماذا تُدرس إذن؟ وهـل هناك وظيفة لفيلسوف؟ بل وهل هناك مهنة أسمها: التفلسف؟ ثم، أكل من درس الفلسفة وتخرج من كلية الفلسفة هو فيلسوف بالضرورة؟ وهل ان دراسة الفلسفة هي حكر على الجامعات؟
من الواضح، من عنوان المقال، اننا لا نريد هنا أن نخوض في حوار حول تراثنا الفلسفي،  لنرد على طروحات البعض الذين ينفون وجود فلسفة عربية إسلامية، من حيث ان مؤلفات  الكندي، والرازي، والفارابي، وان سينا، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد، والطوسي، وصدر الدين الشيرازي، والطباطبائي، وغيرهم، خير شاهد على حضور هذه الفلسفة، حتى وان كانت  أسئلتها غير صافية فلسفيا، من وجهة النظر الفلسفية المعاصرة، إذ كان السؤال الفلسفي فيها يتداخل مع المنطق من جهة ومع اللاهوت من جهة اخرى، لكننـا نسعى هنا الى ان نقرب الفلسفة من الواقع العربي المعاصر، من خلال تفحص السؤال التالي: لقد كانت لدينا فلسفة عربية إسلامية،( سواء كان هؤلاء الفلاسفة عربا ام من الأعاجم، فالبلاد كانت بلاد الاسلام، فالاسلام كان هو الهوية، وليست القومية، كما هو الحال اليوم..!!) فهل لدينا اليوم فلسفة عربية إسلامية؟ أو بدقة أكبر: هل لدينا فلاسفة عرب معاصرون؟ رغم ان غير المسلمين من العرب، والذين يعشيون في البلاد العربية مع العرب المسلمين، لا يمكنهم الخروج بسهولة من فضاء  الاسلام، إذا ما اعتكفوا على السؤال الفلسفي، أو غيره من أسئلة الفكر!!
 فيما يخص الشعوب الاسلامية غير العربية مثل الايرانيين والهنود والبنغال، والباكستان، و شعوب أقاصي آسيا المسلمة، يمكن الأجابة على هذا السؤال بنعم، إذ لديهم فلاسفة ومتفلسفون، ونتاج فلسفي مرموق. فحسب علمي ان مؤلفات الفلاسفة الايرانيين المعاصرون امثال (داريوش شايغان) و(سروش) و(مطهري) و(حسين الطباطبائي) والبنغالي الهندي (محمد اسد) تدرس في بعض الجامعات الاوربية والآميركية،لا سيما في أقسام الإستشراق، وما كشفه المفكر الالماني (يورغن هابرماس) في الاعلام الالماني، واثار ضجة في الاوساط الفكرية الألمانية والاوربية، عندما تحدث عن حواراته مع المفكرين الشباب المعممين في ايران، واتجاهات الفكر الاسلامي. هناك، بغض النظرعن تقييمه الشخصي لها، تؤكد وجود تاسيس فلسفي واثق الخطى هناك.!!  وكدلك تحدثت مرارا، بل وكتبت المستشرقة الألمانية الراحلة (آناماري شيميل) مرات عديدة عن مثل هذا النشاط في اللغات التركية والأوردية والبنغالية التي كانت تجيدها،( بينما نتعالى نحن على هذه اللغات ونلهث وراء اللغات الاوربية فقط؟ مجسدين بكل وضوح عقدة النقص فينا امام الفكر الاوربي، رغم اننا لو نظرنا، وامعنا النظر، وبحثنا قليلا في الثقافات الاسلامية الشرقية،لازدادت حدة هذه العقدة!!)، لكن السؤال المهم هنا هو: هل لدينا، نحن في البلدان العربية، مسلمين ومسيحيين، فلسفة عربية، وهل لدينا فلاسفة عرب معاصرون؟
 صحيح ان لدينا كليات للفلسفة في معظم جامعاتنا، الا أن معظم دراساتنا وبحوثنا، ومعظم الاسماء التي كتبت، ولازالت تكتب، في مجال الفلسفة، سواء من داخل الحرم الجامعي أو من خارجه، تشرح النصوص الفلسفة، وتبين إتجاهات الفكر الفلسفي، وتؤرخ لفلسفات الاخرين، وتبحث فيها، لكن دون أن تطرح هي مشروعها الفلسفي، ودون ان تنتج فكرا فلسفيا خاصا بها، او تؤسس مقدمات نظرية فلسفية، سواء في رحاب الفلسفة الاسلامية السابقة، او على أعتاب الأسئلة الفلسفية التي أنجزها الفلاسفة الغربيون!! فهل صار الاشتغال على تاريخ الفلسفة هو الفلسفة؟
 ربما سيجيب البعض بنعم، أي ان الاشتغال على تاريخ الفلسفة صار جزءا من الفلسفة والعمل الفلسفي، وربما سيجيب آخرون بانه منذ( ماركس)، الذي اعلن في رده على(فويرباخ) بان الفلاسفة سابقا إكتفوا بتفسير العالم بينما المهم هو تغيره، تحولت الفلسفة الى وسيلة فكرية جبارة للتغيير الاجتماعي والتاريخي، ونزلت من عليائها الى أرض الواقع الانساني المرعب. وبالتالي صار الأعتكاف على السؤال الفلسفي الوجودي والكوني يفهم كشكل من الترف الذهني، ولأُتهم صاحبه بالنزوع البرجوازي الصغير، وبانه دليل على أزمة الفكر البرجوازي في العالم  الراسمالي في صراعه مع الماركسية، آيديولوجية الطبقة العاملة. رغم ان فجاجة هذا الطرح إختفت منذ الانهيار المذهل للاتحاد السوفياتي، الذي كان حامل لواء الماركسية الللينينية، والذي  قدم بسقوطه خدمة جليلة للفلسفة الماركسية، وذلك برفع الوصايا الأبوية والعقائدية عنها من جهة، وفتح الأفاق أمام المفكرين في روسيا وبلدان الطوق الاشتراكي سابقا ان يعيدو طرح الاسئلة الفلسفية القديمة والجديدة التي توقفت منذ هيمنة الحزب الواحد على السلطة، وصار رقيبا  ووصيا على الفكر الحر، كما حرر المفكرين الاوربيين من عقدة التطبيق الفج للحلم اليوتوبي بالخلاص ومن تحمل آثام القمع الفكري والسياسي في البلدان التي حكمها الشيوعيون،.  وربما من المفيد هنا ان نذكر، وهذا ما لا يعرفه الكثيرون، بانه كانت في روسيا وحدها قبل الثورة الاشتراكية تيارات فلسفية مهمة، كانت تمزج بين الفلسفات الاوربية والروح الشرقية، وكان هناك فلاسفة مرموقون امثال: سولوفيوف، ستراخوف، دانيليفسكي، ليونتف، رزانوف، شيستوف، برديايف، وغيرهم!
وعودة للدرس الاكاديمي الجامعي للفلسفة، تُرى ماهو شعور الطلبة الذين يدرسونها لسنوات ثم يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل، يبحثون عن أية وظيفة فلايجدون، بل نجد ان دراستهم تصير أحيانا بابا للتندر عليهم كان يقولون: جاء الفيلسوف، وذهب الفيلسوف، وقال الفيلسوف.
 ولو بقينا في الحرم الجامعي وواصلنا الأسئلة: تُرى أين هي مؤلفات وكتب هؤلاء الاساتذة والعاملين في مجال الفلسفة؟ اين مجلاتهم الفلسفية؟ أين مؤتمراتهم الفكرية؟ ولو خرجنا من  الجامعة وواصلنا الأسئلة، لكن في نفس المجال،: تُرى كم كتابا في الفلسفة ينشر سنويا؟ وما هي عدد النسخ عن الطبع؟ ومن يقرأه هذه الكتب؟
 إننا كلما توغلنا في الأسئلة سنجد انفسنا أمام السؤال الفلسفي نفسه: تُرى اين هي حدود الفلسفة؟ وما هي علاقتها بواقعنا السياسي الرسمي المباشر؟ واين هي من حياة الناس اليومية؟  ولو تجرأنا أكثر لنبش مثل هذه الأسئلة لما ترددنا في السؤال: أين أختفت ياتُرى الحركة الفكرية الفلسفية التي بدأت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في القاهرة، وبيروت والمغرب العربي؟ لماذا توقفت حركة ترجمة للتراث الفلسفي العالمي الى العربية؟ ولماذا إختفت الاسماء العديدة التي إنهمكت في الفكر الفلسفي ترجمة وشرحا وتعليقا؟ ولماذا يؤرخ  المرحوم (عبد الرحمن بدوي) بشكل موسع، في (الموسوعة الفلسفية)، لنفسه فقط؟ أتُرى هل يستطيع ( مطاع صفدي) ومن معه في مجلة (الفكر الفلسفي) و(عبد السلام بن عبدلعالي) في مجلة ( فكر ونقد) ان يؤسسا لفلسفة عربية معاصرة حاليا؟ ولماذا ياتُرى توقف الفكر الاسلامي في رفد الثقافة العربية الاسلامية بفلاسفة؟ وهل هناك أعمال فلسفية غير منشورة للمفكر الاسلامي الشهيد (محمد باقر الصدر) تواصل جهده المرموق في تأصيل فلسفة اسلامية
معاصرة، غير رده الشهيرعلى الماركسية في كتاب (فلسفتنا)؟ وهل ستكشف لنا الأيام والأشهر والسنوات القادمة مفاجئات تأتي من النجف وكربلاء في مجال الفلسفة، سواء في الكشف عن  اعمال فكرية وفلسفية لم تنشر بسبب الحكم الدموي الفاشي البعثي في العراق، أو من خلال الحرية التي ستتيح للكثير من العلماء ان يقتحموا الحقول الفلسفية التي كانت اية خطوة فيها تكلفهم حياتهم وحياة أقاربهم سابقا؟ بل وهل ستعيد كليات الفلسفة في الجامعات العراقية النظر في برامجها، وتنفض عن نفسها غبار الأيام السوداء، لتكون ورشة للفكر وللوهج الفلسفي؟
 إنها أسئلة جريحة، وليس اكثر..! أسئلة تقودنا الى أسئلة أخرى أشد إيلاما ووجعا، فياتُرى، هل ان الواقع العربي المعاصر معاد للفلسفة ولإعمال الفكر بشكل عام؟ هل لا زال واقعنا  العربي، كما كان في بعض مراحل تاريخنا الماضي، يعادي التفكير الحر، ويعادي كل علم فلسفي ومنطقي، كما ذهب الى ذلك الغزالي، وابن تيمية، والذهبي، وابن الصلاح، والصنعاني، وغيرهم، من الذين وقفوا بكل قوتهم ضد الفلسفة والتفكير الفلسفي، بل وحرضوا الحكام على معاقبة كل من يمتهن التفكير الفلسفي، ويطرح أسئلة فلسفية مقلقة، مثلما حرضوا العامة من الناس لإيذاء كل من يتهمونه بالهرطقة الفلسفية، وبالزندقة؟

 ولو لم يكن واقعنا العربي المعاصر كما كان سابقا، فلماذا أغُتيل العلامة الشيخ الجليل صبحي الصالح، وهو صاحب البحوث المهمة في علوم القرآن وفقه اللغة العربية! ولماذا ياتُرى لم ترحم المسدسات، الكاتمة للصوت، شيخوخة المؤرخ الفلسفي والمفكرالاسلامي الشيخ حسين مروة، ولم لم تتردد طلقات القتلة وهي تخترق جمجمة المفكر اللبناني حسن حمدان المعروف ب( مهدي عامل )، الذي رحبت به كل الاوساط الفكرية، النخبوية، العربية في بداية السبعينيات باعتباره مشروعا لفيلسوف عربي جديد، ولم توجهت رصاصات القتلة الى رأس فرج فودة الحر؟

 ألا يشبه يومنا المخضب بدماء مفكرينا، أمسنا الذي فيه زُج بالأمام ابوحنيفة في أقبية سجون أبي جعفر المنصور مؤسس بغداد، وقُتل فيه الأمام موسى الكاظم في سجون الرشيد، وألقي فيه أبن المقفع في التنور الملتهب وهو حي يرزق، ولوحق فيه الامام الرضا الى مشهد ليقتل بالسم من قبل المأمون صاحب العلم والمجالس الثقافية، وُجر فيه ابن حنبل مثقلا بالسلاسل ليقف أمام المتوكل، وخوزق فيه العشرات من المفكرين في ظل الحواضر والامصار تحت رايات الخلفاء العثمانيين؟ بلى والله، لقد صار يومنا اشد لعنة من أمسنا،لا سيما بعد إعتمادنا على وسائل القتل المتطورة، وتوفر وسائل الاغواء الأشد سحرا، وسهولة الرصد، والتنصت، والقتل اذا اقتضى الأمر..!!
 ولو إبتعدنا عن هذا السؤال المعذب، ودخلنا الى صلب الفكر الفلسفي، وتطبيقاته النظرية في الفكر العربي، فسوف نواجه بإشكالية (المصطلح الفلسفي) على مستوى الفكر العالمي، وتحديد دلالاته، ونحت مصطلح رديف له في الفلسفة العربية الاسلامية، قديمها وحديثها؟ ولواجهنا ايضا إشكالية اخرى مرتبطة بامكانياتنا الحضارية لانتاج فكر فلسفي أصيل نستطيع من خلاله مواجهة  واقع التبعية الفكرية والفلسفية للآخر!!
 إن وسائل الاعلام الجماهيرية،العربية، من صحافة وتلفزيون وراديو وسينما، كلها ساهمت في تقديم صورة مشوهة عن الانسان المثقف عموما، والانسان المفكر خصوصا، وكأنه انسان خيالي، غير واقعي، ليس له علاقة بالواقع أو بما يدور حوله، وقدمت له الفلسفة وكأنها نوع من  الثرثرة، والتشدق اللفظي، واللغو الفارغ، واختلاق مشاكل وهموم لا يفكر الانسان العادي فيها، وهو في غنى عنها، لذلك فهي وجع رأس وليس اكثر..!!
 ومن هنا فان هذا المقال يعتز بانه يلقي حجرا في بركة راكدة، ومن خلال احدى وسائل الاعلام الجماهيري، ليثير السؤال من جديد: هل هناك فلاسفة عرب معاصرون، أم لدينا مشتغلون في الحقل الفلسفي؟ لدينا مفكرون، فلماذا لا نستطيع ان نطلق عليهم لقب( فلاسفة)؟ أليس لدينا نجيب محفوظ، وهو أديب يقف عند أقانيم الفلسفة بمعناها الدلالي الحقيقي والمباشر؟  واذا ما ذهبنا مع بعض الطروحات التي تؤكد بان الفلسفة العربية الاسلامية نشأت في عصر كان العرب، والمسلمون عموما، أقوياء، واثقين من انفسهم، لا يخافون الانفتاح على الاخر، ولا تقلقهم إشكالية فقدان وضياع الهوية، واننا اليوم نعيش واقعا على عكس كل ما تقدم وصفه، فهل هذا يعني باننا عاجزون ولا فائدة ترجى منا، لاننا لا نملك الا ان نكون هامشا لمتن ينتجه غيرنا، وصدى ضعيف لصوت عميق واثق القرار ياتينا من آفاق رحبة يبعدنا عنها شرط الحرية؟
إنها مجــرد أسـئلة بريئة..بريئـة جدا..!



الجمعة، 14 سبتمبر 2018

الجابري يمارس النقد هنا ويكتفي بالتسليم هناك.. كتابه الأخير يشكل قطيعة وانتهاكا لآرائه في نقد العقل العربي.إدريس هاني

بواسطة : كمال صيدقي( sidki kamal) بتاريخ : 9/14/2018 01:20:00 م







الجابري يمارس النقد هنا ويكتفي بالتسليم هناك.. كتابه الأخير يشكل  
قطيعة وانتهاكا لآرائه في نقد العقل العربي



مجلة منتدى الحوار المغربية - 7.02.2007 - 08:10 pm
المفكر المغربي إدريس هاني

خصصت مجلة منتدى الحوار المغربية عددها الأخير (39) دجنبر 2006 لحوارين مطولين مع الكاتب المغربي ادريس هاني وكذا مقتطفات من كتابه" محنة التراث الآخر" وذلك في إطار مناقشة للدكتور محمد عابد الجابري على خلفية الجدل الذي أثاره كتابه الأخير :" مدخل إلى القرآن الكريم" ، الذي نفى فيه أمية الرسول واتهم الشيعة بالقول بتحريف القرآن ورفضه ترتيب القرآن وقضايا أخرى... وفيما يلي نص الحوار :



س ـ أنتم من الأوائل الذين انتقدوا الجابري من خلال مشروعه نقد العقل العربي، كيف تنظرون إلى الأفكار التي أثارها في الآونة الأخيرة ؟
ج ـ لا أخفيك أنه كان أول نص أغراني بالنقد.. ولهذا الكلام معنى؛ إنني لا أنتقد إلا نصين: أحدهما يمتعني بلياقته وبراعته التحليلية والتركيبية لكن تنتابه نوبات معرفية تنال من تماسكه نيلا معتسفا..والثاني يستفزني أيديولوجيا..والحق أن مشروع الجابري كان قد جسد بالنسبة إلي الأمرين معا..فهو نص راقني بقدر ما استفزني..فمن الناحية المعرفية مارس الأستاذ الجابري جهدا معرفيا كبيرا على الرغم من كل الهنات والكبوات التي قد يحصيها عليه ناقض هنا أو هناك..أعني مسألة الشمول والبناء النسقي ..أما من الناحية الأيديولوجية فهو مستفز بالنتائج التي انتهى إليها أو لنقل بالافتراضات التي انطلق منها، وهي التي تتعلق بالتراث الآخر..الخلاف الأيديولوجي هنا ليس بالجملة بل في بعض التفاصيل..وإلا لا أحد يختلف حول الموقف العقلاني ومشروع النهضة ومذمومية التخلف..المشكلة في التفاصيل وكما يقال أن الشيطان يكمن في التفاصيل..قد أكون متفقا مع الجابري في مواقفه مجردة عن كل هذا البناء، الذي جعل ضريبة تخلف العقل العربي يتحملها أولئك الذين شكلوا طلائعه الحضارية..أزعجني أن يكون طابور أزمة العقل العربي هو الرازي و ابن سينا والغزالي و الشيعة والعرفان وعموم المشرق الذي بدا في خطاطة الجابري متهرمسا عن بكرة أبيه..قد يكون الجابري من الناحية السياسية رجلا ديمقراطيا ، بمعنى آخر ليس استئصاليا على مستوى العمل، لكن قراءته أسست لضرب من الاستئصال في النظر..لكن ما هو أساسي هنا ، أن الجابري الذي كان مطوقا بنتائج نقد العقل العربي هو اليوم أقل وفاءا لنتائجه، بل هو أكثر تحررا منه معرفيا وكذا أيديولوجيا.. لذا يبدو أنه دخل مرحلة ثالثة، سمتها التخفيف من وطأة الأيديولوجيا، وهذا معناه منح مزيد من الأهمية للمعرفة..والدليل على ذلك ما صدر عنه مؤخرا من خلال كتابه "مدخل إلى القرآن"..الخطأ الذي وقعنا فيه سابقا أننا حاكمنا الجابري أيديولوجيا، وهذا المنهج خاطئ..لأن الصراع سيكون أيديولوجيا عقيما من الناحية المعرفية..ومع أنه بالإمكان أن نبرر له أيديولوجيا لكننا لا نبرر له معرفيا ، أنه وجد في بيئة كانت ولا زالت تجهل الكثير عن التراث الآخر.. والوقوف على المصادر الكاملة ليس أمرا ميسرا..وهذا ما وقع مع مستشرقين كثير، خانتهم المعطيات فكملوا من عقولهم كما يقال..وحينما كتبت محنة التراث الآخر ، وهو في الأصل رد على جانب من نتائج نقد العقل العربي، لم أكن لأوفق في ذلك لو أنني استندت للمعطيات المتوفرة حينها في بيئتنا..لقد كلفني ذلك هجرة سنوات والوقوف على المصادر في مجالها الطبيعي..وهو أمر لم يكن متيسرا حتى بالمقارنة مع أيامنا هذه..لذا وجب أن لا نحمل نقد العقل العربي أكثر ما يتحمله كمشروع ومحاولة، لا يفيد معها النقد الأيديولوجي بقدر ما يفيد معها النقد المعرفي، لأن نقد العقل العربي هو نفسه وبالنسقية المحكمة يفرض أن يكون عرضة للانهيار متى أمكن وضع اليد على جملة المعطيات الخاطئة أو الغائبة في هذا المشروع..

س ـ كيف تنظرون إلى هذا الكتاب وإلى الأفكار التي أثارها الكتاب في المشرق والمغرب؟
ج ـ إنه شيء مهم هذا الذي توصل إليه الجابري..بغض النظر عن كثير من الآراء التي تناولها الكتاب المذكور ، لكن لدي ملاحظات كثيرة، منها على سبل المثال، إذا كان من خصائص المنهج، الشمول ؛ حيث ما من تجزيء ولا من انتقاء إلا ويخل بمصداقية المنهج، اللهم ما كان استثناء من القاعدة، والاستثناء لا يتم إلا بدليل معقول وإلا كان ضربا من العبث، فإننا نجد في المحاولة الجابرية بعضا من الانتقاء..أي أن الباحث يمارس النقد هنا ويكتفي بالتسليم هناك..يعارض ما شاء و متى شاء ويسلم بما شاء ومتى شاء.. لذا أقول ؛ إن كان الجابري يمتلك كل هذه الشجاعة ليرد ما بدا محل إجماع أو مورد تسليم القدماء والمحدثين بخصوص قضايا تتعلق بالقرآن ، فلماذا كان في نقد العقل العربي يبني آراءه على ضرب من التسليم..تسليمه بكل النتائج التي وجدها كما يقول بعظمة لسانه، في مصادرنا السنية ، دون أن ينحو منحى التحقيق للنص الكامل كما يجسده التراث الرسمي والتراث الآخر معا ..مثلا لقد سلم بخرافة عبد الله بن سبأ، وبنى عليها كل أحكامه وقراءته للتراث الآخر ، وأعاد إنتاج كل الأحكام المللية التي تجعل كل ما له صلة بالتراث الآخر ، بمثابة كفر وخروج وزندقة..ففي تكوين العقل العربي وبنيته يكون كل من تعرفن أو تبرهن على خلاف مقتضى الرشدية قد تزندق..وفي العقل السياسي كل من عارض خرج وتزندق..ما الجديد عن ما كتبه أصحاب الملل والنحل؟!
لم نقف إذن على نقد جذري وشمولي للتراث، بل وقفنا على نقد تجزيئي وانتقائي للتراث ، وكنت من أوائل من وصف الطريقة الجابرية بالتجزيئية والانتقائية..أما ما حدث من إثارات في المشرق والمغرب فالمسألة تتعلق بأناس يقعون في المدارك الدنيا للفكر ولا يتابعون، بل هناك من يتعامل مع الفكر تعامل العوام..ما حدث في المشرق تقصدون به ما حدث في مصر..ومثل ذلك حدث مع حسن حنفي وقبله مع نصر حامد أبو زيد..أذكر يوم قامت الضجة ضد نصر حامد أبو زيد كتبت مقالا تحت عنوان: لنكفر الجميع أو لا نكفر نصر حامد أبو زيد..وكان مثالي على ذلك بعض آراء الجابري..قلت بأن هناك مما يذكره الجابري لو كان في مصر لتعرض إلى مثل ما تعرض له نصر حامد أبو زيد..لم يكن ذلك اتهاما لما كتب الجابري، بل كنت ممتعضا من الطريقة التي يتم التعامل بها مع الفكر والمفكرين..أي التجزيء والانتقاء حتى في أحكام التكفير..نكفر من نشاء ونسكت عمن نشاء..فالمسألة جزافية، أنت وحظك أن يمر تصريحك أمام محترف من محترفي قانون الحسبة ، وإن كان فعل التكفير يأتي وفق حسابات دقيقة..وطبعا كان منها الطريقة التي تعامل بها عبد الصبور شاهين مع نصر حامد أبو زيد..وسنكون ضد كل من يهاجم المفكرين من أعداء الفكر..ولذا لا أهمية لما يأتي من زعيق هنا أو هناك..فللتفكير حرمة حتى وإن لم نعترف للفكر بهذه الحرمة..لا ننتقد المفكر من حيث يفكر بل ننتقد المفكر من حيث أفكاره..أي من حقك أن تفكر كيف تشاء لكن ليس من حقك أن يسود فكرك كيف يشاء..وقد تبين أن الذين كفروا يومها نصر حامد أبو زيد ، اتهموه بتهمة الاستناد إلى نصوص ابن عربي وأفكار الشيعة والمعتزلة..لقد كفروا ابن عربي والمعتزلة والشيعة قبل أن يكفروا نصر حامد أبو زيد..ومن الممكن أن يكفروا الجابري بالتهمة نفسها..وهم إذ يكفروه "عملا"، فقد مارس هو التكفير "نظرا"..وأخرج مدارس ومذاهب وشخوصا عن مقتضى الإسلام الصحيح..نقد العقل العربي هو في وجه من وجوهه مشروع تكفير نظري ، وهذا على الأقل ما يناقض محاولة أركون التي لم يمارس هذا الضرب من التغليب والتجزيء للتراث ، حيث انفتح عليه في كليته مهما كانت نتائج الإسلاميات التطبيقية..وهذا تحديدا ما جعل الكثير من السلفيين يجدون مرادهم في مشروع الجابري ليس لأنه نحى نحو الفكر السلفي في الجملة بل للنكتة المذكورة، أنه خير مشروع يستدل به على مشروعية تكفير خصومهم ، إنه قام بما قام به الكثير من الأيديولوجيين العرب ، أنهم يعيدون إحياء الفكر السلفوي التكفيري بتقنيات حجاجية معاصرة ، وهذا ضرره على الفكر الإسلامي كبير..لقد شط الجابري عند هؤلاء الذين كفروه أو أنكروا عليه ، بعيدا وتجاوز حده ، لكن في نظري لقد حبا حبوة صغيرة أول مرة خارج منظومة المسلمات..محاولة جريئة ، لكنها مع الجابري لها نكهة خاصة!

س ـ يشكك الجابري في أمية الرسول (ص) ، وبذلك يكون قد خالف إجماع المحدثين وأهل السيرة والمؤرخين المسلمين، كيف تنظرون إلى موضوع أمية الرسول(ص) وهل كان النبي (ص) بالفعل غير أمي ؟
ج ـ في مجال التحقيق التاريخي لا مجال للحديث عن الإجماع..نحن هنا لسنا أمام حكم من أحكام الفروع الشرعية ولسنا أمام منطق التوافقات السياسية..فأن يخالف الجابري الإجماع هنا هو حق طبيعي للناقد..هذا مع أنني لا أرى في ذلك ما يخالف الإجماع..والغريب أن هناك من يوحي بأن تلك الآراء جديدة وجريئة كما لو أنها قيلت لأول مرة في تاريخ الفكر الإسلامي..الذين يقولون ذلك ويشيعونه في الصحافة وغيرها يؤكدون على أنهم ليسوا محترفي معرفة وغير متابعين لحركة الفكر..شخصيا وقبل تسع أو عشر سنوات تحدثت في كتابي: محنة التراث الآخر، الذي هو نقد لجانب من نقد العقل العربي، نفيت فيها أمية الرسول رأسا دونما تردد..وحينما فعلت ذلك كنت قد استندت إلى إشارات ونكات وجدت في تراثنا وهي قديمة جدا..ليس ثمة جديد في الموضوع..ومع أنني أهنؤ الجابري على هذه الفكرة وأرى أنه لأول مرة يفكر بتجرد عن النسق الذي تورط فيه في نقد العقل العربي، حيث كنت أرى في خروجه من مقتضيات النسق المذكور يأتي بنتائج مفيدة ، إلا أنني أرى موقفه الأخير يؤسس لتقويض كل المباني التي أقام عليها نقد العقل العربي..بمعنى آخر إنه ضرب من التهافت الذي ينسف الأسس والمسلمات التي ابتنى عليها نقد العقل العربي..فحينما نجد الموقف الرشدي والخلدوني والشاطبي والتيمي والحزمي كلها مواقف تجعل من الأمية مسألة أساسية ، حتى أن الجابري أبرز في نقد العقل العربي أهمية منظور الشاطبي لأمية الرسول وكذلك اعتبرها ابن خلدون نوعا من الإعجاز..بل تتقوم مقدمات نقد العقل العربي وتاريخية تشكل البيان والتدوين على خاصية أمية الجيل الأول للرسالة وعلى رأسهم صاحب الدعوة..إذن نحن أمام تقويض حقيقي لمباني ونتائج نقد العقل العربي ولسنا أمام تتميم للمشروع النقدي كما يرى أو يرى غيره..ولكنها في نهاية المطاف ليست النهاية السيئة أو التهافت ، بل أراها قطيعة مع نقد العقل العربي..وهي في نظري قطيعة مطلوبة ومحمودة في حقه..بل هذا ما كنا نتمناه دائما ، أن يكبر الجابري على مسلمات المذاهب ، ويمارس تفكيره بعدالة ومن دون مسبقات..

س ـ يشير الجابري في كتابه الأخير إلى مشكلة التحريف ، ويؤكد تورط مصادر السنة والشيعة في تأكيدها ، لا سيما وأنه يستشهد بالمعتدلين من الشيعة كالشيخ النوري وليس بالغلاة؟
ج ـ ليس في ذلك جديد..وللمرة الأولى يكون الجابري منصفا حينما يتحدث عن وجود ما يشير إلى التحريف في المصدرين معا ويحيل بعدالة لوجود أخبار في كتب الفريقين..ففي صحيح البخاري هناك من الأخبار والأحاديث ما هو ظاهر في القول بالتحريف، وطبعا ليس الحديث هناك عن النسخ، لا تلاوتي ولا حكمي ، بل هي ظاهرة في التحريف والسقوط ..والموضوع هنا قد يطول ، لكن ما أحب أن أؤكد عليه أن الحديث عن التحريف تم فهمه خطأ ، إذ في رأيي لم يوجد في القدماء سنة وشيعة من عنى بالتحريف النص القرآني المركزي ، بل قصدوا بذلك التأويل.. فقد كان الكثير من الأوائل يعتبر التأويل قرآنا ويطلق على تأويله إسم القرآن انطلاقا من قوله تعالى:" ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه"..بمعنى لا تعجل بتأويله..يتعين علينا اليوم أن نتحدث عن ما بعد إشكالية التحريف..أي كيف نوجه فلسفة النص ونحتوي بها إشكالية التحريف باعتباره إشارة إلى شكل من أشكال الإكمال والاستبدال والتناص الذي اعتاد عليه بعض القراء المسلمين..وكل ذلك بسطنا الحديث عنه في كتاب : محنة التراث الآخر ، وهي بالمناسبة دعاية مقصودة لكي نقرأ بدل أن نكتفي بالاتهام..فالدعاية لما ينفع المعرفة أمر مستحب..
لكن دعني أعود معك إلى قصة الشيخ النوري الطبرسي صاحب كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، وهو الكتاب الذي طالما أوتي به كحجة على قول الشيعة بالتحريف..ولا أريد أن أدخل من مدخل تحرير مفهوم الحرف والتحريف الذي استعمل كثيرا لدى بعض القدماء، حيث قصدوا بذلك حرف المعنى وتحريف الكلام عن مواضعه..بل دعنا نختصر الطريق لنقول بأن ثمة مقدمة لا بد من استحضارها..أولا إن الشيخ ميرزا حسين نوري الطبرسي ليس من المعتدلين كما توهم الجابري وأمثاله بل هو من الأخبارية التي تذهب إلى وقوع النقيصة في الكتاب، ولهذا رفضوا القول بحجية الكتاب.. ولجمهور الأصوليين والمحققين الإمامية مئات الكتب التي تصدت لهذا الزعم قبل أن يدركه غيرهم، وكلها تؤكد على أن القرآن المعتبر هو ما بين أيدي المسلمين، المصحف العثماني وقد صح ما بين دفتاه .. ووجب حينئذ أن نحقق فيمن هو المقصود بالاعتدال عند الإمامية من غيره..والمعتدل ليس بالضرورة هو المعترف بقدره والموصوف بالصلاح ، فذلك ما لا علاقة له بالاعتدال، حيث يراد بالمعتدل من الإمامية المحققين الأصوليين المجتهدين..وكذا من الأخبارية من راموا الاعتدال والتحقيق كما هو حال بعضهم كصاحب الحدائق قدس سره.. وغير الملمين بالتراث الشيعي يخلطون بين أصناف العلماء الإمامية فلا يميزون بين الأخبارية والأصوليين..فبالأحرى أن يميزوا بين طبقات الأخبارية وطبقات الأصوليين..ومن يؤخذ بإجماعاته من الأصوليين أنفسهم من غيره..فالمسألة ليست بهذه البساطة والمدرسة الشيعية هي من التعقيد بحيث لا تسمح بمن يمر على متونها مرور الكرام أو يمارس نزهة سريعة بين بعض مصنفاتها حتى يقف على مداركها..أما الملاحظة الثانية ، فإن منزلة الشيخ النوري وجميع هذه المصنفات الأخبارية لا تتنزل منزلة الصحيح عندهم..فهذه مقايسة ساذجة لم يقل بها محققوا الامامية، ولا كافي الكليني يضارع منزلة صحيح البخاري عندهم كما قال الجابري وقال الكثير من السلفيين قبله..فالمطلع على الرجاليين كالطوسي والغضائري ونظرائهما وصولا إلى السيد أبي القاسم الخوئي لا يوجد فيهم من قال بقطعية صدور أخبارهم.. ففيها ما هو ضعيف وواضح الضعف ..فالشيعة لا تؤمن بوجود مدونات صحيحة بالجملة بل تؤمن فقط بوجود أخبار صحيحة قد توجد في هذا المصنف أو غيره ، والعمدة في التصحيح والتضعيف هو ضابط الدراية وعلم الرجال .. لكنني أقول لك ليتك اطلعت على رأي أعلام الشيعة الإمامية في روايات وكتب الشيخ النوري الطبرسي ، فلقد نبهوا إلى هذا الحشو وإيراد أخلاط من الروايات كما لو كان الشيخ النوري في وارد تحشيد كل ما وصله من روايات عجيبة وغريبة ، لكونه اشتهر بكتابة الموسوعات كما هو حاله في مستدرك الوسائل..وما رواه حول سورة النورين هو نفسه يحيله على كتاب "دبستان مذاهب" وهو كتاب منسوب حسب بعض المحققين لداعية زرادشتي إسمه كيخسرو بن اسفنديار..وطبعا الكتاب لم يكن صاحبه معروفا حيث تمت النسبة إلى كيخسروا بعد التحقيق الذي قام به رحيم رضا زاده ملك .. وقد نبه النوري إلى أن هذه السورة لم يجدها في مصادر الشيعة..وكان من المفترض أن يستحضر خصوم الشيعة رأي النوري وشهادته بأن روايته تلك عثر عليها في هذا الكتاب الذي اختلف المحققون حول كاتبه قبل أن يحقق رحيم رضا في الموضوع..وأعتقد أن الحاج ميرزا حسين النوري ربما ظن أن صاحب الكتاب هو من المخالفين للشيعة وأراد أن يستدل به ما دام يخبر عن وجود سورة ساقطة فيها ذكر صريح بالولاية..وهذا من الغرائب حتى أن الكثير من الأعلام الإمامة ومتأخريهم كالإمام الخميني يتعجب كيف أن المعاصرين للشيخ النوري لم يردوا سخف هذا القول ، وكيف أنه ومع جليل قدره ذهل كما ذهل المعاصرون له عن استبصار تناقضات هذا الكلام ، حيث لو صح ما في هذه الرواية إذن لما لم يحتج به الأئمة والصحابة الموالون ضد خصومهم..المشكل هنا ليس في كتاب الحاج ميرزا النوري الذي لا يؤخذ كلامه مأخذ الصحيح ، والشيعة الإمامية تؤمن بالاجتهاد وهي من المخطئة ولا تقبل بالخبر إن ورد من غير طريق صحيح على الضابطة المقررة في علم الدراية والجرح والتعديل..فوجودها لن يكون معتبرا كما لو وجدت مثلا في صحيح البخاري..ولذا لزم أن نأخذ رأي الشيعة من مداركهم الرسمية، بمعنى آخر، ليس المقصود بالمدارك الرسمية كل ما هو معتبر في خزائن الكتب، بل مما أجمع عليه أهل التحقيق المعتبرين عند الإمامية ، فوجب أخذه من مصادره الرسمية ولن يوجد بإطلالة فضولية في هذا البحر المتلاطم من مصنفاتهم..علينا أن نميز ما هو الشاذ النادر في تراثهم ومن يمثل الاجماع ومن المعتبر دون غيره، وكيف يفهم الاجماع عندهم ، فوجود رواية في الكافي أو رواية في الكتب الأربعة ، لا يعني أن مذهب الشيعة على هذا الرأي تماما كما أن وجود روايات التحريف في البخاري وغيره لا يعني أن رأي السنة على القول بالتحريف..أقول هذا مع أن لي رأيا خاصا في الموضوع، أرى فيه بأن القول بالتحريف بهذا المعنى لم يقل به أحد ولا استساغه عقل مسلم، بل ثمة حلقة مفقودة في البين ترى أن التحريف هو مساوق للتأويل ، وبأن الحرف والتحريف هو تقنية من تقنيات التأويل ، فحرف المعنى من الحقيقة إلى المجاز مع وجود القرينة الصارفة ، سياقية أو عقلية و حالية متصلة أو منفصلة وما شابه كله يأتي بمعنى الحرف بتعبير القدامى، وكما الحرف ينقسم إلى ما هو صحيح كحرف المعنى بصرفه من الحقيقة إلى المجاز مع وجود القرينة، وإلى ما هو فاسد كحرف الكلام عن المعنى بعد عقل الكلام كصرف المعنى من الحقيقة إلى المجاز من دون قرينة معتبرة..فإن التأويل الذي هو غاية الحرف ينقسم إلى قسمين : التأويل الصحيح الذي مدح في القرآن إلى جانب التأويل المذموم الذي ذم في القرآن..فليس الحرف والتأويل هما المذمومان في ذاتهما ، بل لعارض يصرفهما عما يتعين التقوم به في الحرف الحسن والتأويل الصحيح..وأحسب أن المسألة تتطلب نقاشا وبحثا صناعيا طويلا لا يتسع له المقام..

س ـ ماذا ترون في أن الفاتحة لم تنزل مع السورة ، بل كما يعتقد الجابري أنها مجرد فواصل بين السور ؟

ج ـ نحن نتحدث عن فاتحة السورة أي البسملة..وأنا أحب أن أقول البسملة ـ وهذا هو الإطلاق المتداول ـ بدل الفاتحة لسببين: الأول، تمييزا لها عن الفاتحة التي تنصرف إلى السورة الخاصة( سورة الفاتحة)، والثاني لأن الحديث عن كونها فاتحة ينبني على خلفية اعتبارها مجرد فاتحة للفصل والتبرك وليست آية..والحق أن هذا إشكال ، على الأقل فيما يتعلق بالفقه الإمامي، حيث تعتبر البسملة آية..أتعلم ما الثمرة من هذا النقاش؟ أجل، لو اعتبرنا البسملة مجرد فاتحة للسور ، يمكن الإتيان بها من دون نية مستقلة، لكن لو كانت آية خاصة تتعلق بكل سورة بنحو من الاستقلال على الأقل التعبدي، تعين أن تشمل في نية الإتيان بالسورة المخصوصة..فلا يجوز أن أنطق بالبسملة ثم أنوي الإتيان بالسورة..هذا إشكال فرعي مترتب على الإشكال الأول..وحسب اعتقادي وتصوري أن البسملة هي آية وليست مجرد فاتحة للفصل بين السور، والسبب هو وجود نصوص معتبرة في المقام في ما ورد من الأخبار عن النبي (ص) وآل بيته (ع)..فالمسألة تعبدية فلا مجال لإقحام التأمل فيما حسم نصا..

س ـ وماذا عن انعدام وجود الفاتحة في سورة التوبة، لا سيما والجابري يؤكد على ما ضاع من سورة التوبة؟
ج ـ هو ذا بيت القصيد..لماذا غابت البسملة عن سورة التوبة؟ فلو أنها كانت مجرد إجراء عفوي اختياري للفصل بين السور، لما استثنيت براءة؟!..الجابري يأتي برأي ضعيف يرى أنها ذهبت ضمن ما ذهب من فواتح سورة التوبة .. فهل ما أكلته النعجة من هذه السورة أو تلك أكل من صدور الصحابة الذين كان فيهم من يحفظ القرآن..هذه إهانة للصحابة..ليس لجهة تقديس لشخوصهم فقط بل لجهة وضعهم الموضوعي كحفظة للقرآن..والحق أن عدم وجود البسملة في سورة براءة مما أدركه جيل التنزيل نفسه..فثمة نص للإمام علي بن أبى طالب يعلل عدم وردود البسملة في براءة، حيث قال بأن البسملة أمان، وليس في براءة أمان. لأنها بدأت ببراءة من المشركين وقد كان علي بن أبي طالب هو من بلغ براءة وقرأها على الحجيج..هذا نص منطقي ووجيه ، ويكفي لرد كل الأخبار المبنية على تكهنات فضلا عما فيها من ضعف في المعنى والإسناد..

س ـ اعتمد الجابري في ترتيب المصحف على أسباب النزول، بخلاف الترتيب الموجود الآن، ماذا عن مسألة الترتيب في القرآن ؟
ج ـ الترتيب في اعتقادي أمر مؤكد وتوقيفي ما دام صاحب الدعوة قد قرأه كذلك وقرء عليه كذلك وسارت على ذلك المتشرعة جيلا بعد جيل..يمكنني القول أن القراءة تعبدية في هذا المجال..لكن طلب المعنى أمر آخر ويخضع لاعتبارات أخرى..أي ليس ثمة ما يمنع من أننا نعيد ترتيب الآيات بحسب عملية العرض المطلوب، عرض القرآن بعضه على بعض لتحقيق المعنى المطلوب..وأعتقد أننا حتى لو اقتفينا أسباب النزول نفسها ورتبنا القرآن على وفقها كما فعل الجابري ، فلا يقدم ولا يؤخر ذلك شيئا بالنسبة للمعنى..فالتفسير الموضوعي لا يتجاوز فقط الترتيب التوقيفي للنص ولا الترتيب الموردي له ، بل ينتج علاقة جديدة بين النصوص، تحقيقا للمطلوب، أي أن نقرأ القرآن بعضه في بعض، حيث من فعل ذلك هدي إلى المعنى الصحيح..من هنا استنتجت أن ثمة اعتبارين في المقام: القراءة المعنوية للقرآن ، وهي مفتوحة على ضرورات الصيرورة الموضوعية للمعنى وجدل النص مع الواقع وجدله الداخلي ، وهذه قراءة توفيقية ..وهناك القراءة التعبدية وتأتي على الترتيب المتداول بدليل الأخبار المؤكدة على قراءة صاحب الدعوة للقرآن على الترتيب المذكور..وقراءة جبريل للقرآن على الرسول(ص) على الترتيب نفسه ، بالإضافة إلى سيرة المتشرعة أيضا ونحوهم القراءة على الترتيب المذكور..شواهد حية على أن الترتيب معتبر في المقام..هذا مع أنني لا أعتقد بأن عملية جمع القرآن تمت في العصور المتأخرة، بل ما تؤكده الأدلة والقرائن والشواهد أنه جمع واكتمل في زمن الوحي..ومن هنا لا أعتقد أن عصر الرسول (ص) عصر أمية ولا النبي كان أميا بالمعنى المتبادر من الأمية، وهذا مما عالجناه بتفصيل تحت عنوان : محنة توحيد القراءات، من كتاب: محنة التراث الآخر..

س ـ في حوار مع أسبوعية الأيام العدد 254 ، 11-17 نونبر 2006 ، اعتبر الجابري أنه رغم وجوده في بيئة سنية ويصعب عليه أن يكون شيعيا أو خارجيا ، إلا أنه يتعامل بكيفية محايدة مع ما قاله الشيعة وما قاله الخوارج، كيف تنظرون إلى هذا الكلام؟
ج ـ هذا ليس صحيحا، على الأقل فيما يتصل بنقد العقل العربي..لقد تجنب الموضوعية بصورة فاضحة..وتحامل على التراث الآخر وحاكمه بكل المسلمات التي اختلقها التراث الرسمي..ربما في الكتاب الأخير حصل هذا النوع من الاجتهاد في تحري الموضوعية إلى حد ما..أما قبل ذلك فهو مما تطرقنا له وبينا مواضعه، فراجع..

س ـ في الحوار السابق مع أسبوعية الأيام ، شكك الجابري في حديث خذوا نصف دينكم عن عائشة..معللا ذلك بأن الرسول(ص) مات عنها وهي لا تتجاوز سن 18 بعد أن تزوجها وهي في سن 12 أي لم تلازمه إلا مدة 6 سنوات فكيف يعقل أن يروى عنها كل هذا العدد..؟

ج ـ هذا صحيح.. فحديث خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء ، يعارض منطوق القرآن كما يعارض محتواه نفسه بدليل إكمال الدين وإتمام النعمة..ولكنني أعتقد أنه جانب الحقيقة لما قال بأن الحديث وضع لتضخيم دور عائشة مقابل ما فعل الشيعة في تضخيم شأن فاطمة..هذا كلام يخلوا من التحقيق، وليس فيه سوى المقايسات العقيمة..قد يكون ذلك الخبر من وضع البكرية أو غيرها..لكن فاطمة لم تعط المكانة التي تستحقها، على الرغم من أنها كانت ملتقى العلم والدين كله، فهي بنت نبي وزوج إمام وأم للأئمة..ألا يجعلها ذلك في مكانة غير المكانة التي وضعت فيها في تراثنا الرسمي حتى صدقنا قولة اليسوعي لامانس وهو مطرب الأمويين كما وصفه ماسينيون ، الذي صورها كشخصية ليس لها من المميزات سوى الحزن والإصابة بفقر الدم..لكنني أدعو الجابري وأي منصف أن يقرءوا خطبة فاطمة بعد وفاة أبيها وبعد أن منعت من إرثها لنقف على زبدة الفقه الفاطمي الكبير..لماذا نستكثر على فاطمة أن تكون فقيهة وهي ملتقى العلم كله..وأحسب أن علي شريعتي كان صائبا لما قرأ قيمة فاطمة من حيث كفاءتها لا من حيث هي فقط بنت نبي أو زوج إمام وأم أئمة ، حينما قال: فاطمة هي فاطمة! مع أنني أرى أن قيمة فاطمة الذاتية يعززها أيضا أنها بنت نبي كان يقول: "فاطمة أم أبيها". وإذا كان يقول : "خيركم خيركم لأهله"..كيف لا يهتم ببضعته لتكون سيدة نساء العالمين وأعلم الناس ؟!..وإذا كان قد استفاد وصف التراث الآخر بالهرمسي من كوربان الذي أفادها بدوره من ماسينيون، فلماذا لا يقف عند تأملات ماسينيون لشخصية فاطمة ؟! وأتفق مع الجابري بخصوص العملية الحسابية التي استند عليها وقبله فعل صاحب شرح الملحمة التترية الذي كان قد أشار إلى استبعاد روايتها تلك ، مؤكدا على حساب تاريخ زواجها بالرسول (ص) وتاريخ وفاته عنها وعدد الأيام التي قضاها عندها وغيرها من الاعتبارات الأخرى ليخلص إلى أن عدد الأخبار التي نسبت إليها فيه مبالغة كبيرة..ليس ثمة جديد ، لكن أعتقد أن ما نسب للسيدة عائشة كان من قبل وضاعين لا يجدون طريقا أسهل من نسبة الأخبار لزوجة الرسول (ص) ، فكما استغلوا وضعها سياسيا في حرب الجمل ، أرادوا استغلالها أيديولوجيا في إسناد الأخبار الموضوعة إليها، وهذا أمر لم يكن غريبا على سلوك الوضاعين في ذلك الزمان وكل زمان..، فينسبونه لعائشة لأنها امرأة وكان اللقاء بها وسؤالها خلف حجاب يتيح للوضاعين أن ينسبوا لها ما شاءوا ، حيث يصعب تكذيب ذلك في كل حين..

س ـ ذكر الجابري أن الشيعة أضافت كلمة وعترتي إلى حديث تركت فيكم كتاب الله.. ما رأيكم في ذلك؟
ج ـ هذا كلام لا وجه له ، ويخلو من التحقيق..الخطأ الأول أنه لا يوجد حديث مبتور بهذا الشكل ،أي: تركت فيكم كتاب الله..والحق أن المروي هو كتاب الله وسنتي..ومع ذلك أقول أن التحقيق يجعلنا نعتقد بأن الخبر الثاني حاكم ومقيد للأول..هذا ناهيك عن أن راوي حديث العترة هو مسلم في الصحيح وكذا يذكره النووي في رياض الصالحين باعتباره متفق عليه وهو حديث ابن أبي الأرقم والنسائي في خصائصه والترمذي في صحيحه ويستحسنه وهلم جرا..فكيف يقول أن الشيعة هي من زاد ذلك..بل لو شئت التحقيق ، فإن حديث الكتاب والسنة نفسه بهذا العموم هو من بلاغات مالك في الموطأ كما يؤكد ذلك ابن عبد البر ، ولم يصح، فكيف نتهم ما صححه أعلام السنة بالوضع ونصحح ما جاء في الموطأ مرسلا ضعيفا..بينما خبر العترة يورده النسائي في الخصائص وكذا الترمذي واصفا إياه بأنه حديث حسن صحيح وغيرهما من أعلام السنة.. هذا ناهيك عن أن الجابري تحدث عن حديث يفرد القرآن دون السنة ، لم يرو قط بهذه الصيغة لا عند السنة ولا عند الشيعة..اللهم إلا أن يكون الخطأ هنا مطبعيا؟!


س ـ يعتبر الجابري أن مفهوم النبوة والإمامة عند الشيعة والمتصوفة يجد أساسه في الهرمسية؟
ج ـ قلت قبل قليل أن إحدى الملاحظات على الطريقة الجابرية استناده إلى منهج لا يفي به دائما حتى النهاية..وإلا لن يكون في الإمكان بلوغ هكذا نتيجة إلا توسلا بأسلوب الأشباه والنظائر..وهو الأسلوب الذي لو طبقناه على النص القرآني لوجدنا فيه الكثير مما نسبه الجابري إلى الهرمسية..إن الجابري يسلك هنا مسلك طائفة من المستشرقين اتبعت هذا المنهاج، وهو منهاج يقوم على قلة المعطيات وقلة الاستئناس بالتراث في كليته.. لكنه تغاضى عن رأي طائفة أخرى من هؤلاء المستشرقين الذي وقفوا على عمق آخر من التراث..هناك إذن الكثير من الانتقاء..الحديث عن هرمسية التشيع هي مأخوذة حرفيا وبانتقائية عن هنري كوربان..لكن الجابري لا يستطيع أن يتبنى كل نتائج هنري كربان بخصوص التشيع..فهنري كوربان وهو من أبرز المتخصصين في الإسلام الشيعي بعد ماسينيون ، لم يقصد ما قصد الجابري ، بل إنه انتهى إلى نتيجة ، هي أن الإسلام الشيعي الإثني عشري أصيل في التعاليم الاسلامية وهو يمثل التوازنية والتكاملية الاسلامية..لكن الجابري يأخذ ما يريد ويترك ما يريد..لأن هنري كوربان وقبله ماسينيون كانا قد اعترفا بأصالة الكثير من الأفكار الشيعية واجدين جذورها في التعاليم الاسلامية..هذا ناهيك عن وجود خلط كبير في تقدير هذه المفاهيم بين فرق شيعية كثيرة .. إن منحى الأشباه والنظائر لا يثبت شيئا ولا يسلب شيئا، لأنه منهج عقيم وساذج..لأننا لو طبقناه على جميع الأديان والمذاهب والآراء الدينية سنجدها هرمسية بصورة أقل أو أكبر..

س ـ وماذا عن القول بأن التأويل الشيعي لا يستقيم مع قواعد اللغة أو قواعد العقل كما يرى نفس الكاتب؟

ج ـ الجابري هنا يحاول أن يحاكم بعض أشكال التأويل الشيعي لبعض النصوص بقواعد المنهج الظاهري العقيم في مجال فهم النصوص..إنه بتعبير آخر يحاسب المعنى الباطن بالمعنى الظاهر..ويحاكم التأويل بقواعد التفسير..بينما لكل مجاله وحقله وأطواره في استكشاف المعنى..بعض هذه التأويلات هي مجاز أكثر منها حقيقة..واحتمال بعض المعنى من بعض النصوص لا ينفي احتمالها للمعاني الأخرى بما فيها الظاهري..إنها قصة فن التأويل الذي لم تستأنس به الطريقة الجابرية فوقعت في أحكام من هذا القبيل وتوسلت بمواقف ظاهرية ليست على كل حال جديدة على تراثنا..بل حتى النظرة الضيقة للعقل، إن هي إلا نظرة متجاوزة..وبهذا العقل الضيق بدت له المساحات الأخرى في العقل الموسع واقعة تحت العقل، في الوقت الذي تبدو العقلانية البرهانية هي ذلك الحيز الأولي والصغير في مساحة العقل الواسعة..وهذا أمر قيل حوله الكثير..وعموما لقد تطرقت إلى ما أسميته بسر تضخم النزولات التأويلية في الأئمة العلويين من كتاب محنة التراث الآخر ، ففيه بسط لهذه النكتة..دون أن ننسى التذكير بأن الجابري اعتبر أن فارس المنهج الشيعي أو الصوفي المتهرمس هو مبدأ المثال والممثول الفيثاغوري ،مع أنه لم يفعل هنا سوى التوسل بمنهج المثل والممثول..ومنطق المماثلة في حكمه بالهرمسية على العرفان الشيعي والصوفي لمجرد الأشباه والنظائر..

س ـ يقول الجابري بأن انتقاله مباشرة من بحث النبوة و الإمامة عند الشيعة والمتصوفة إلى بحث اليهودية والمسيحية ، سببه وجود نفس التقاطعات مع الموروث الهرمسي..كيف تنظرون إلى ذلك؟
ج ـ إذا كان الجابري بموجب مغالطة الأشباه والنظائر يتحدث عن تقاطعات من ذاك القبيل،مع الموروث الهرمسي واليهودي والمسيحي تأسيا بطائفة من المستشرقين وليس جميعهم، فلماذا لا يوسع من وظيفة هذه المغالطة ليقول كما قال بعض المستشرقين بالفعل ، إن وجود بعض الأفكار المتشابهة بين الإسلام وأهل الكتاب دليل على أن الإسلام ما هو إلا نقول من الكتب السماوية السابقة..حتى إذا وجدوا بعض الاختلاف في تلك التعاليم قالوا بأنها ناتجة عن نقول خاطئة لنصارى هرطقيين أو منحرفين كالذين هاجروا إلى الجزيرة العربية، مثل ما فعل بروكلمان وغيره..سيكون الإسلام كله والقرآن كله ميسر لمثل هذه التقاطعات.. مسألة التقليد والانتقاء سمة بارزة في مثل هذه الأحكام..والمطلوب أحيانا أن لا نبني على ما وقعت عليه أيدينا من أفكار دون أن نكلف أنفسنا التحقيق فيها والبحث عن مزيد منها..أو أن ننتقي أحيانا دون ترجيح إلا ما كان ينسجم مع النسق الذي نرتضيه..مثل ذلك مثل إنسان يصنع هيكلا فارغا ثم لا يهم بأي محتوى يملؤه بعد ذلك..أي هو في النهاية هيكل مغر في الظاهر لكنه مليء بمادة خسيسة ، وأحيانا ملفقة من مختلف المعادن النفيسة والخسيسة..

س ـ يرى الجابري أن الشيعة وجدوا في نظرية الفيض الأفلاطونية ما يؤكدون به تلقى الإمام للوحي ؟
ج ـ لا أدري حقيقة، أي تشيع هو المعني بهذه الأحكام ؟ ربما هذا من تأثير آراء أهل الملل والنحل بخصوص الفرق التي يسمونها ضالة.. وإذا كنا نسعى لفهم عقائدهم من خلال بعض متفلسفتهم كإخوان الصفا وابن سبنا ، فالأمر سيكون مدعاة للأسف، لأن رأي السنة لا تمثله الرواقية الفلسفية التي تمثلها الرازي ونظراءه..قسم كبير من الآراء و التعاليم التي بنى عليها الباحث هذا الحكم لا تعبر عن ما أجمعت عليه هذه المدرسة..بمعنى آخر يمكن أن يستدل شخص ما بحديث صحيح أو غير صحيح من البخاري ومسلم على أن عقائد أهل السنة هي كيت وكيت..لكن المعتبر في المدارس والمذاهب هو ما أجمعت عليه المدرسة في آخر طبقاتها وإجماعاتها ..ولا نكتفي بالشاذ النادر كما أن قسما من الشيعة الذين أخذ عنهم الجابري أمثلة عن الغلو وهم طائفة من الأخبارية مثلا ، هم ممن يرفضون الفلسفة وينكرون على من قال بالفيض ومع ذلك بين أيديهم نصوص تثبت تميز علم الإمام..هذا التميز من وجهة النظر العقائدية لا يثبت استمرار الوحي بالمعنى الخاص الذي هو من وظيفة الرسول ـ ص ـ.. بل الحديث هنا فلسفيا عن أن علم الإمامي هو من جنس العلم الحضوري الذي تفيده الآية:" لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم" ، حيث علمهم بالقرآن الذي فيه تبيان كل شيء وذكر علمهم في سياق ما علموهم حضوريا يفيد هذا التميز، وليس ذلك من جنس الوحي بالاصطلاح الخاص ، بل العلم الحضوري مقابل العلم الحصولي الذي هو علم سائر الناس..ولما أقول الاصطلاح الخاص وأقرنه بالوظيفة ، لأقول بأن العلم الحضوري بالمعنى العام هو ضرب من الوحي،لأنه حدوس وكشوف..وهذا من جنس "أوحى ربك إلى النحل" وما شابه..ومن هنا أحب أن أقول بأن الوحي ليس ميزة بها استحق الرسول مقام النبوة، بل الوحي وظيفة للتبليغ يمكن أن توجد فيمن هم أدنى مقاما من الإمام نفسه متى اقتضت مشيئة الله..ونحن نعتقد أن الوحي بالمعنى المذكور توقف مع وفاة الرسول ـ ص ـ ، لأن ما بعدها ختم للرسالة، ولكنه بدء التأويل ، الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم..والقضية لا تحتاج إلى فلسفة الفيض ولا إلى شقاوة الأشباه والنظائر التعسفية..وتفصيل ذلك يطلب في محله..

س ـ تتهمون الجابري بعدم معرفته بالمعطيات التاريخية ووقوعه في الخلط، كيف ذلك؟
ج ـ ليس الجابري وحده متهما بذلك، بل ربما لأنه حاول أن يقدم قراءة صحيحة لما هو سائد في معتقدات السواد الأعظم من الناس..ثمة مستشرقون كما قلت وقعوا في هذا النوع من الخلط ، لأنهم استهانوا بالتراث الآخر ولم يكلفوا أنفسهم بتوزيع الجهد على كل التراث..ليس غريبا أن ترى مونتسكيو مثلا في رسائل فارسية يترجم عبارة الإثني عشر إماما عند الإمامية بالأنبياء الإثني عشر ـ douze prophetesـ..أو مثل غولدزهير حينما يعتبر زواج المتعة هو ذلك الزواج الذي يترخص فيه الشيعة في ظروف خاصة مثل الحج، وهو هنا يخلط بين متعة الزواج ومتعة الحج..أو اعتبار دو غوبينو كتاب الأسفار لملا صدرا كتاب رحلات جغرافية..أو إدوارد براون الذي اعتبره بمعنى الكتب الأربعة ، السفر بمعنى كتاب..مثل هذا يقع من مستشرقين ومن باحثين عرب ومن مترجمين..وفي تصوري أن مرد ذلك كله إلى الإهمال..قد تجد شريطا سينمائيا هوليوديا لا يكاد يهمل صغيرة أوكبيرة في تفاصيل التصوير السينمائي..لكن حتى اليوم لا زلت تجد الممثل الأمريكي الذي ينتحل شخصية مسلم ، لا يكاد يبدل من الجهد لكي يتعلم كيف يقدم صورة الصلاة الاسلامية أمام الكاميرا، فتراه يسجد مباشرة بعد تكبيرة الإحرام بدل أن يركع أو يرفع يديه معا إلى الأعلى وينزلهما بصورة مكررة كما لو كان من قبيلة أباتشي..أرى أن الذين اكتفوا بالموجود من معطيات ، يسلكون المسلك نفسه..لذلك تصور أي فضيحة تكون لما تكن أنت ممن استأنس بتلك المعطيات..كما قلت قبل قليل ، إن الوقوع في الاشتباه والخلط أحيانا يكون عفويا وأحيانا يتحول إلى عطب بنيوي..وفي مثل هذه الحالة يصبح خطيئة وليس خطأ ..وما كنا نرجوه دائما من كل باحث غيور على المعرفة أن يتثبت أكثر في الأحكام..وفي ظني أن فيما تطرق إليه الجابري في كتابه الأخير يوجد الكثير من الأفكار ، بعضها يحتاج إلى تأمل وبعضها الآخر مهم وجدير بالتقدير..

س ـ كلمة أخير حول كتاب الدكتور محمد عابد الجابري؟
ج ـ أقول بالنسبة لكتاب السيد الجابري : بحث مشروع وتفكير مشروع ..ومع أن ما قاله ليس فيه جديد إلا على بيئتنا ، فإنني رأيت في كتابه الأخير قطيعة موضوعية ولو صغرى مع الكثير من آرائه في ملحمة نقد العقل العربي..وأقول أيضا بالمناسبة ؛ إن وجود أخبار عند الفريقين رويت على نحو من الشذوذ مطمئن بعدم صحتها، فالقول بصحة ما بين دفتي المصحف العثماني ومحفوظيته يتفق عليه المحققون من الفريقين كما لا يخفى..ومع ذلك نعتقد أن ثمة توجيه لمعنى الحرف ، يجعله مصداقا للتأويل الذي حورب في التاريخ الإسلامي تحت أكثر من عنوان..وأن يكون القرآن تبيانا لكل شيء ، ليس بالتوقف عند ظواهره أو الاستناد إلى ما جاد به المورد الأول ، بل إن تبيانه لكل شيء مشروط بالتأويل ، أي الخروج بالنص من زمن التنزيل إلى زمن التأويل..ومن النزول الواحد بلحاظ المورد الأول إلى النزولات المتجددة برسم الموارد المحتملة والنوازل المفترضة؛ فالقرآن كما يقول صدر المتألهين: مجدد الإنزال على قلوب التالين له!


الخميس، 13 سبتمبر 2018

هل تراجع جان بول سارتر عن بعض من أعماله الفلسفية والمواقف السياسية قبيل مماته؟ بيني ليفي.

بواسطة : كمال صيدقي( sidki kamal) بتاريخ : 9/13/2018 11:52:00 ص



هل تراجع جان بول سارتر عن بعض من أعماله الفلسفية والمواقف السياسيةقبيل مماته؟ بيني ليفي.

قضايا مسكوت عنها.

Jean-Paul Sartre/Benny Lévy
تصريح "بيني ليفي" بين الحقيقة والافتراء حول موقف سارتر من مجمل فلسفته.
وأنا بصدد تقليب أرشيفي، وجدتُ هذه القضية وأحببتُ اقتسامها لطرحها للنقاش.لهذا عنونت المقال ب"تصريح "بيني ليفي" بين الحقيقة والافتراء حول موقف سارتر من مجمل فلسفته." وقتها اتهمت سيمون دي بوفوار ليفي بيني بالتلاعب بسارتر وهذا موثق في عدد من الجرائد حينها.بينما صدق البعض من المفكرين رواية بيني ليفي ولكل منهما حججه .وهذا النقاش معروض على الشبكة العنكبوتية.
قبل موت سارتر في 15 أبريل 1980، كان قد فقد بصره، وأصبح معتمـداً في قراءاته واستجواباته على بيني ليفي، وهو يهودي، مصري الأصل، كان زعيماً لفصيلة الماوتسيـين بفرنسا منذ هبّة 1968، ثم تحوّل إلى دارس ومـحلل للنصوص التوراتية، متشبّعاً بفلسفة إيمانويل ليفيناس. وأسفرت هذه العلاقة عن استجواب طويل نشرته الأسبوعية الفرنسـية (الأوبسرفاتور) قبيل موت سارتر، فكان بمنـزلة قنبلة فكرية أقلقت أسرة سارتر ومحبّيه وأصدقاءه، وفي طليعتهم رفيقة حياته سيمون دوبوفوار. ذلك أن سارتر في حواره مع ليفي، عمد إلى نقـض وتحطيم مجمـوع أطروحاته وكتـاباته، مصرّحاً بأنه لم يعرف قط القلق، وبأن روايته (الغثيان) هـي اختـلاق وكذب لا علاقة لها بالحياة، وأنه لا يوافق علـى ما ورد في كتابه (الكينونة والعدم) من مـفـاهيم وتحليلات. بدلاً من ذلك، صارح سارتر ليفي بأنه منذ اكتشف الصوفية اليهودية (نصـوص القبلانية) أخذ يجد في ثناياها أجوبة لأسئـلة حيّرته طويلاً. وعرض بيني ليفي على سارتر أطروحـات ليفيناس فتجاوب معـها سارتر ووجدها أقرب إلى نفسه من فلسفته الوجودية. هكذا تكون المسيحية - اليهودية - على حد تعبير أحد الدارسين - قد استطاعت أن تهبّ لنجدة سارتر وشفائه من سارتريّته!
عودة جان بول سارتر - محمد برادة
مجلة العري الكويتية - العدد 508 - 2001/
3



L'espoir maintenant, Jean-Paul Sartre/Benny Lévy, Les entretiens de 1980, présentés et suivis du Mot de la fin par Benny Lévy,Verdier, 1991
Benny Lévy, né le 28 août 1945 au Caire (Égypte) et mort à Jérusalem le 15 octobre 2003, est un philosophe et écrivain français.
Militant maoïste de premier plan sous le pseudonyme de Pierre Victor, il dirige dans la France de l'immédiat « après-Mai » (début des années 1970) la Gauche prolétarienne, groupe politique d'extrême gauche, inspiré par la doctrine maoïste. Après avoir renoncé à la violence politique, puis décidé de la dissolution de la Gauche prolétarienne, Il fait retour à la tradition juive et, inspiré par la pensée d'Emmanuel Levinas, co-fonde en 2000, avec Alain Finkielkraut et Bernard Henri Lévy l'Institut d'études lévinassiennes, qu'il dirigera jusqu'à sa mort en 2003.
Il fut le secrétaire de Jean-Paul Sartre de septembre 1973 jusqu’à la mort du philosophe, en 1980. À cette époque, la parution d'entretiens entre les deux hommes, dans lesquels Sartre semble témoigner, au contact de Benny Lévy, d'un renoncement à sa première conception de la question juive et d'une forme de conversion au messianisme juif, suscita une vive controverse. Les textes sont publiés sous le titre L'Espoir maintenant.
L'expression « de Mao à Moïse », symbolique de l'évolution d'un certain nombre d'intellectuels juifs de sa génération, a été inventée pour qualifier sa trajectoire. Eric Aeschimann y reconnaît une période clé de l’histoire de la gauche intellectuelle en France : « de l’agitation gauchiste à l'antimarxisme, de la création de Libération à la défense du judaïsme. » (source : wikipedia)
Quatrième de couverture :
"Peu de temps avant sa mort, Sartre faisait paraître dans Le Nouvel Observateur une série d’entretiens avec Benny Lévy ("L'espoir maintenant") qui scandalisèrent tant par leur contenu que par leur ton. Dix ans après, le moment est peut-étire venu de les lire vraiment.
Benny Lévy les présente et en propose un nouvel usage.
Dans ce texte "ascétique", grâce à un exceptionnel mouvement de dépouillement, Sartre tente de repenser le commencement : ne faudrait-il pas déceler dès l'origine, dans le projet propre à la conscience, une tension vers la fin, que l'échec, le tragique ne sauraient annuler ?
Seul le mot de la fin - l'espoir - conduit le philosophe à la limite de la pensée occidentale et lui permet de dialoguer avec le juif réel.
Benny Lévy propose alors de méditer ce mot de la fin."
La polémique :
"Entre 1978 et 1980, Benny Lévy fait découvrir à Sartre, dont il est le secrétaire, l’œuvre de Levinas : « Benny Levy lui en parlait lors de longues après-midi de lecture à haute voix. Il lui lisait Difficile liberté». Un moment décisif, tant pour l’un que pour l’autre, selon Bernard-Henri Lévy.
Des entretiens de Sartre et de Benny Lévy sur Levinas et sur le judaïsme résulte un texte intitulé "L’Espoir maintenant", publié d'abord par extraits dans Le Nouvel Observateur, sur trois numéros, le 10, le 17 et le 24 mars 1980, sous la forme d’un dialogue de vingt-cinq pages dans sa totalité, un texte dont Bernard-Henri Lévy souligne l’importance dans l'itinéraire philosophique de Sartre : « C’est une libération. Un moment de lucidité formidable, de maturité. La grande tristesse de ce texte, c’est que Sartre meurt juste après alors que c’est un jeune Sartre qui recommence». Un texte retentissant.
L’Espoir maintenant provoque un scandale. Benny Levy est accusé par l'entourage de Sartre d'avoir abusé de son état de faiblesse (Sartre est presque aveugle) pour lui imposer sa pensée. Olivier Todd parle d'un « détournement de vieillard ». Simone de Beauvoir reproche à Benny Lévy d’avoir contraint Sartre à des déclarations démentes. John Gerrasi, l’un des biographes de Sartre, dénonce la « manipulation diabolique » de Benny Lévy, « un petit chef de guerre fanatique », « un juif égyptien », devenu « rabbin et talmudiste ».
Toutefois, Jean Daniel, le directeur du Nouvel Observateur, témoigne que Sartre est parfaitement conscient de ce qu'il fait en publiant L’Espoir maintenant. Il a fallu que Sartre appelle Jean Daniel pour que ce dernier décide de le publier. Daniel lui a demandé : « Vous avez le texte près de vous ? – Je l'ai en tête », a répondu Sartre. Et, en effet, « il le connaissait par cœur », assure Daniel. Bernard-Henri Lévy remarque :
« On a parlé d’aliénation et même de sénilité, parce qu’évidemment l’auteur de L’Être et le Néant, de La Critique de la raison dialectique, venant dire : le peuple métaphysique par excellence, c’est le peuple juif ; […] un Sartre qui dit que c’est l’existence du peuple juif, sa survie à travers les âges qui lui fait comprendre que le culte de l’Histoire est une infamie et que Hegel s’est finalement trompé, un Sartre qui dit qu’il retrouve le sens de la réciprocité qui n’a rien à voir avec le groupe en fusion ou la chaleur de la meute, et un Sartre qui trouve ce goût de la réciprocité dans les rapports très curieux qui unissent le Dieu juif et son peuple. Tout cela, évidemment, surprend." (source : wikipedia)
Citations :
« Parti de la considération simple que toute action implique l'espoir, Sartre conséquemment en arrive, après la nécessaire critique des fins historiques, à penser que l'éthique suppose l'eschatologie. (Présentation, in L'Espoir maintenant, p. 17)
Mon avis sur le livre :
Je relis ce texte à quelques années d'intervalle et je suis toujours aussi perplexe. Non pas sur l'itinéraire de Benny Lévy, passé du maoïsme au judaïsme, qui est celui de beaucoup de jeunes gens de sa génération et que je comprends très bien, mais sur les positions exactes de Sartre au sujet du judaïsme, du messianisme et de l'abandon du sens hégéliano-marxiste de l'Histoire en faveur de la notion "d'espoir". Reconnaître ses propres convictions et son propre itinéraire dans un texte ne dispense pas de s'interroger sur les conditions de sa "production" et sur son authenticité. Le "dernier Sartre" tel qu'il se révèle dans ce livre reste donc pour moi une énigme.
Questions en suspens :
Pourquoi les proches de Sartre (Simone de Beauvoir, Olivier Todd) prétendent-ils que Benny Lévy a abusé de la faiblesse de Sartre ? Si Sartre avait fait l'apologie du terrorisme, de la violence et de la lutte des classes, ses proches auraient-ils réagi différemment ?
Dans quelle mesure Sartre a-t-il regretté d'avoir été le "compagnon de route" du PCF ? La rupture avec le PCF remonte-t-elle vraiment à 1956 (Budapest) ? Pourquoi ne s'était-il jamais vraiment expliqué sur cette question ? Et pourquoi, après avoir rompu avec le PCF, Sartre a-t-il continué à croire au communisme (la visite à Fidel Castro) ?
Quelle est la position du "dernier Sartre" par rapport à la "question juive" ? Sartre a-t-il dépassé l'idée que la conscience juive est une création de l'antisémitisme et l'intériorisation (authentique ou inauthentique) du "pour autrui" par le "pour soi" ?
Est-il pertinent d'emprunter au philosophe le plus inauthentique du XXème siècle, antisémite et nazi convaincu, Martin Heidegger, les termes d'authenticité et d'inauthenticité pour les appliquer à la conscience juive ? (il est vrai qu'à l'époque de la publication des Réflexions sur la question juive, on ne savait pas tout ce que l'on sait aujourd'hui sur Heidegger)
Sartre avoue dans cet entretien qu'il n'a jamais ressenti d'angoisse et explique qu'il a employé ce terme (heideggerien) dans L'Être et le Néant parce que "tout le monde l'employait autour de lui" ("Je n'ai jamais eu d'angoisse. Ça, c'est des notions-clefs de la philosophie de 1930 à 1940. Ça venait aussi de Heidegger, c'est des notions dont on se servait tout le temps, mais qui ne correspondaient pour moi à rien. Certes, je connaissais la désolation ou l'ennui, la misère, mais...", p.24). Peut-on être sûr qu'il n'a pas fait la même chose avec d'autres concepts ? Quelle crédit peut-on accorder à un penseur qui emploie des concepts dont il ne comprend pas la signification parce que "tout le monde les emploie autour de lui" ? Pourquoi l'imitation joue-t-elle un rôle aussi important chez un homme qui aurait voulu "ne se tenir que de lui-même" ?
En quel sens faut-il prendre le mot "métaphysique" appliqué au peuple juif ("peuple métaphysique") ?
Dans quelle mesure le relation fondatrice individuelle et collective à la transcendance du Dieu unique est-elle compatible avec la conception sartrienne de la liberté ?
Sartre a-t-il réellement pris conscience que sa fameuse "masse en fusion" pouvait se muer de révolutionnaire en persécutrice ? En d'autres termes, le passage de la fraternité révolutionnaire à l'unanimité contre un ennemi désigné a-t-il vraiment été perçu par le dernier Sartre comme le passage du "saint" au "sacré" (au sens qu'Emmanuel Levinas donne à ces deux termes) ?
Comment Sartre a-t-il découvert que la notion de "fraternité" échappait à l'analyse marxiste des superstructures idéologiques ? (p.57)
Dans quelle mesure la notion d'"espoir" mise en avant dans les entretiens avec Benny Lévy comme horizon de la conscience engagée a-t-elle remplacé la croyance en un "sens de l'histoire" ? Cette notion opère-t-elle au niveau du sujet individuel ou au niveau collectif ? Sartre faisait-il une distinction entre l'espoir et l'espérance eschatologique ? Faisait-il un lien entre les deux et si oui, lequel ?
La notion d'espérance eschatologique (messianique) a-t-elle remplacé chez le "dernier Sartre" la notion d'une "fin de l'histoire" ?







الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

هل للعرب المعاصرين فلسفة وفلاسفة؟ ام انهم انتجوا كلام اللواغيا؟

بواسطة : كمال صيدقي( sidki kamal) بتاريخ : 9/12/2018 05:28:00 م




هل للعرب المعاصرين فلسفة وفلاسفة؟ ام انهم انتجوا كلام اللواغيا؟

 د. سّيار الجميل

الحلقة الثالثة :
 نص الملف الذي نشرته إيلاف في موقعها القديم في كانون الثاني 2004،
المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر عن موقف صاحب المدونة.
مدخل
 الفلسفة كما يعّرفها المعرفيون منذ القدم انها – باختصار -: " البحث عن حقائق الاشياء ". والفلسفة – في معاجم اللغة العربية – هي " الحكمة "، فهل انتج العرب المعاصرون والمحدثون " حكمة " من نوع ما وكشفوا عن حقائق اشيائهم ومعانيها على امتداد أكثر من قرن كامل مضى من الزمن؟؟ وهل ابدعوا معرفيا: نظريا وتطبيقيا في البحث والخلق لنظريات وافكار شغل العالم كله بها؟؟ يقال: احكم الامر من الحكمة، اي: اتقّنه ومن تنسب اليه الحكمة قد احكمته التجارب على المثل: ويقال لمن كان حكيما قد احكمته التجارب، واحكمت الشيىء فاستحكم: صار محكما. قال ذو الرمة:
لمستحكم جزل المروءة مؤمــــن من القوم، لا يهوى الكلام اللواغيا
ونعود لنسأل: هل انتج العرب فلسفة وحكمة على امتداد قرن كامل، أم انهم عشقوا الكلام اللواغيا، بكل ما فيه من اطناب واسهاب وثرثرة وتهويل ولغو وحشو وتكرار وهذر وانشاء خاو من المعاني.. الخ
العرب اليوم: بعيدا عن استنارة فكر وعن فاعلية تفكير
 كنت قبل ثلاثة اسابيع ضيفا خفيف الظل على قناة الشارقة الفضائية في برنامج حيوي اسمه ( اوراق )، وفي حوار مبسّط مع صاحبته ومقدمته السيدة باريهان كمق عن حاجة العرب الى منهج فكر! قلت منذ البداية: بأن ليس عند العرب المعاصرين فكرا محدثا فهم في مرحلة طالت نهضويتهم فيها من الركود وهم ما زالوا في دوامة من التفكير الباحث عن نقاط البدء بعد لا الفكر المستنير الراسخ القائم بذاته! ومن المضحك المبكي ان يطلق البعض على انفسهم بـ " المفكرّين "!
 قالت محاورتي وهي مثقفة ومتابعة: لماذا؟
 قلت: لأن ليس هناك أي مجتمع في الدنيا اليوم يحترم نفسه ويتقّبل مثل هذا المصطلح او التعبير عن بعض ابناء نخبه. هذا مصطلح بليد اشاعه العرب بقولهم " هذا مفكّر.. " وهذه " نخبة من المفكرين ".. فالاصح – عندي - ان يطلق على كل واحد منهم اختصاصه الجامعي او المهني او النظري فيقال: الطبيب والمهندس والمحامي والقاضي والاكاديمي والمؤرخ والكاتب.. الخ أما ان يقال عن هذا " مفّكر " وذاك " فيلسوف " فهذا ما يضحك حقا.. فكل انسان مهما كان حجمه في هذا الوجود انما يفّكر في الاشياء ومعاني وما حوله من الامور ليسكن الى معتقداته ويتخذ عنها مواقفه وقناعاته وثوابته. وربما تختلف من احدهم الى الاخر جراء تباين عواطفهم ومشاعرهم وانسياقهم وراء مؤثرات واحداث وخطابات وانساق لا حصر لها ابدا.
قالت: وماذا بعد؟
قلت: ليس من واجب كل من هّب ودبّ ان يتطفل على تخصص الاخرين، واذا قبلنا بالمصطلح على مضض، فأنني أسأل: هل استطاع ( الفكر العربي المعاصر ) ان يفرض نفسه في مساحة معينة ومضيئة وضيئة في الفكر الانساني الحديث اليوم بكل ما وصل اليه هذا الاخير من التطور والعمق؟؟ هل نجح اي ( مفكر ) عربي بفرض نظرية معينة او فلسفة متميزة وشغل مساحة كبرى ومعتبرة من القراء والمهتمين والدارسين في العالم؟؟ الجواب: كلا.. واستطردت متسائلا: هل نجح العرب بكل جحافلهم من المثقفين والمختصين بعد مضي قرنين من الزمن على ما يسّمى بنهضتهم الحديثة ان يفرضوا موسوعتهم العربية العالمية – مثلا – وبأكثر من لغة على الثقافة البشرية؟ انهم ان كانوا قد فشلوا فشلا ذريعا حتى في الاتفاق على مبادىء معرفية وخطوط منهاجية عامة فكيف يا ترى ستكون لهم فلسفاتهم وفلاسفتهم؟ ربما هم يقولون ويتنطعون بأن لهم ما ليس للاخرين من فلسفة وفلاسفة.. دعوهم يقولون ويزايدون ما يشاؤون بينهم وبين انفسهم، ولكن من مصلحة اجيالنا القادمة ان لا ندعهم في غيّهم يعمهون! وساعرض في ادناه صورة نموذج من هذا الغثاء الذي يجتاح ثقافتنا العربية المعاصرة تحت طائلة شعارات تدعمها شهادات ورقية ( اكاديمية ) يغلّف بها بعض الجاهلين بها انفسهم!

حوار بيزنطي
 نعم، بعد لأي من ذلك الحوار التلفزيوني، طلع على الشاشة ضيف من الاردن قدّم تعقيبا بائسا على كلامي كونه لم يفهم الصح من الخطأ وقال كلاما عاطفيا بما يشبه لغو من الكلام.. وكان المسكين لا يدرك الف " التفكير " من يائه! كان على اسوة اقرانه من الوعاظين الذين تربوا في صحراء قاحلة لا تعرف فيها المعرفة ولا شطآن العقل ولا لغة الاخر ولا فلسفة العالم.. كان مهذارا ثرثارا وكأنه لم يدرك ولم يكتب ما يقوله الحكماء والعقلاء على امتداد قرن كامل من الزمن؟؟ وهو الذي لم يعلموه الا كيل المديح والاجترار والاستطراد وقلة العقل وهذه مصيبة ابتليت بها ثقافتنا العربية اليوم وخصوصا عندما تخرج في اروقة جامعاتنا العربية البائسة ركاما من الجهلة الذين لا يصلحون ان يكونوا في اسفل سلم المجتمع لا في اعاليه! نعم، قال: كيف لا ونحن لدينا فلسفة وفلاسفة جهابذة عرب من المحدثين المعاصرين امثال ذاك وذاك.. فلاسفة كتبوا كما كبيرا من الكتب التي خدمت ثقافتنا العربية وقلت في نفسي: يا لسخرية القدر ان تغدو مؤلفات مسردة ومترجمة وكتابات لنصوص اعاد انتاجها اصحابها من جديد ونشروها في حياتنا الثقافية بثياب رثة.. فصّدق العرب ان لديهم فلسفة وفلاسفة!
 اجبت هذا المتدخل بما يستحق بكل هدوء، اذ ادرك انه وأمثاله قد نكبهم الجهل ورفعهم الزمن فاصبحوا من السفهاء الذين لا يمكن الحوار معهم، ولّم ينفع معهم الا الاهمال والترفع فهم بمثابة لجام يعضلهم حتى يموتوا!!
 عاد ليهذر من جديد ثانية مستخفا بتكنولوجيا العصر ومجّملا كلامه بترديد ما كان قد تلقّنه من عبارات سياسية في المجد والجهاد والسؤدد وكال المديح لتقاليده البدوية المجيدة التي اعتبرتها مجتمعاتنا المدينية العربية في الامس القريب تقاليد بالية لا تنفع المجتمع المعاصر! وعاد ليردد بكل وقاحة بأن للعرب اليوم مدارس فلسفية وفلاسفة عظام ومناهج راقية في الفلسفة! واراد تحويل النقاش الى قضية سياسية كالعادة العربية الفاشلة عندما تنضب آلية المعرفة ومن اجل ان يتبجح ضد العراق فاسكته بعد ان سألتني محاورتي بكل ذكاء: هل تتفق مع هذا الذي يطرحه ( الدكتور )؟ قلت لها: كلا لا اوافق ما يقوله هذا الرجل! فالامور ليست بمثل هذه السذاجة.. فأي فلاسفة عظام هؤلاء؟ وأي مناهج راقية في الفلسفة عند العربان المحدثين؟ وأي مدارس بها يتميزون؟ ان كل من كتب في الفلسفة من ادباء واكاديميين وشعراء ومثقفين عرب لا يعدو ان يكون مجرد انشاء كلام او تجميع نصوص او توصيف حال او ترجمات كتب او شرح قواعد او كتابة مقالات او ابيات شعر فلسفية.. الخ

اين الفلسفة والفلاسفة؟
 انني اتحّدى ثقافتنا العربية (الحديثة) الاتيان بفيلسوف عربي واحد اليوم عند مطلع القرن العشرين او حتى من مثقفي القرن العشرين.. قدّم نظرية فلسفية عرفها العالم كله؟ او انه قدّم ابداعا فلسفيا في موضوع حيوي معين على الارض العربية وليس جزءا من انتاج معرفي في جامعات غربية؟؟ ولقد طالبت الجيل الجديد الذي اتمنى عليه ان يوظف طاقاته وخبراته بعد عشر سنوات من اليوم بعد رحيل جيلنا نحن هذا المخضرم بين قرنين.. طالبته بأن يؤسس ثورة نقدية عارمة لمنتجات آبائه في القرن العشرين ليقف على حقائق مذهلة وعلى اسماء كتاب مشهورين في ادبياتنا العربية كتبت في الفلسفة وغيرها، لكنه سيكتشف انها اسماء مخادعة ومهزوزة ومخاتلة ومستلبة لم يكن ذلك الكم الوفير الذي كتبته تلك الاسماء ونشرته الا مجرد ترجمات خفية عن لغات اجنبية ويا للاسف الشديد! خصوصا وان ابرز هؤلاء عاشوا في بيئة محلية لا تعرف الا لغة التهويل والمديح والتعظيم لأناس وصفوهم بالمفكرين والفلاسفة والعمالقة الكبار وهم لا يصلحون حتى لكتابة عرضحالات لدوائر رسمية او على اكثر تقدير اعتبارهم كتبة مقالات او مؤلفي كتب لا حياة فيها ولا فكر لها ولا ابداعات مثمرة عنها!
 لقد اشتغل العرب من المسلمين وغير المسلمين القدماء بالفلسفة بعد ان تأثروا بالفلسفة الاغريقية فابدعوا واثمرت جهودهم اثر اعظم حركة للترجمة قامت في بغداد وبرغم كل ما قدمّه حنين بن اسحق والكندي والفارابي ومسكويه وابن رشد وابن طفيل وابن باجه والبيروني وابن ميمون وابن سينا وابن خلدون وغيرهم من اقوى الفلاسفة واصحاب المناهج والمدارس من علماء الكلام والاشاعرة والمعتزلة.. الخ الا ان حربا ضارية لا هوادة فيها مورست ضدّهم تحت مسمّيات واتهامات شّتى فوصف بعضهم بالتهافت ووصف بعضهم الاخر بالانعزال والبعض الاخر بالزندقة والالحاد.. نعم، كل ذلك جرى في دواخلنا العربية علما بأنهم ابدعوا واثمرت جهودهم عن براعة فكر حقيقي استفاد العالم كله منهم.. ولكن عصرنا الحالي لم يشهد ولادة فلاسفة عمالقة ولا حتى اقزام صغار يتفلسفون او حتى يهذرون عن عشق للفلسفة او عن جنون بها..
 لقد عجز الفكر العربي المعاصر عن الفلسفة بسبب عوامل عديدة لا يمكنني اغفالها في مثل هذه المداخلة! فالعرب على امتداد تاريخهم الحديث قد غلبوا الافكار السياسية والمعتقدات الايديولوجية المتنوعة على تفكيرهم المعرفي فحادوا عن طرائق العقل، وكانوا وما زالوا يتغّلب الايديولوجي عندهم على المعرفي. والمعاصرون اليوم كانوا وما زالوا يختنقون في اقفاص حديدية سجنهم فيها حكامهم واباطرتهم.. او انهم وجدوا انفسهم في مجتمعاتهم يتشربون من ترسبات عقيمة وبقايا التخلف وهم في شرانق تحزهم خيوطها ولا تسمح لعقولهم بالتفكير الحر والتعامل النقدي المباشر مع الحياة.. والمعاصرون اليوم عندنا قد فتحت الاجيال الاولى منهم عيونها واسماعها ومشاعرها وكل جوارحها على ما يسّمى بـ " النهضة " و " التقدم "، وبعد ان اخذها هذا شمالا وسحبها الاخر يمينا وجدت الاجيال الجديدة نفسها وقد افترستها مشروعات مؤدلجة ومواعظ وممنوعات ومحرمات وخطب سياسية رنانة عدة ازحمت بالشعارات والمقدسات والتعليمات، فصمّت الاذان وتعطلت لغة العقل وقفل على الالسنة واضطهدت المشاعر وكممت الافواه واختنقت الانفاس..

العرب: خطايا واقع متعفّن
 اي فلسفة عربية معاصرة يمكننا ان نقف ولو لمرة واحدة مع نظرية فلسفية واحدة؟ اي اثراء معرفي عربي حقيقي جرى في حياتنا الفكرية الحديثة لنظريات فلسفية حديثة عاشت في القرنين السابقين؟؟ هل كانت الكتابة وحتى التأليف من قبل بعض الكتبة والكتاب للنصوص في موضوعات كالداروينية او الماركسية او الوجودية او النسبية او البنيوية.. الخ هي التي تعتبرها جوقات من الجهلة والمداحين العرب فلسفة؟ هل نجح العرب المعاصرون في اثراء المعرفة الانسانية بالعمل جماعات وفرق عمل نظريا وميدانيا لانتاج اعمال مميزة يلتفت اليها العالم؟ هل ساهم العرب المعاصرون الذين يهوون الندوات والمؤتمرات والشعارات والخطابات الرنانة ان يعتنوا قليلا بتربية المبدعين من اولادهم وبناتهم كي يكون لهم مستقبل وشأن كبير؟؟ اي فلسفة عربية معاصرة هذه التي يتبجحون بها ونخبة المثقفين منهم تجتر المقولات وتردد النصوص وتستلب الافكار ولا تحترم الاخر وليس لها الا الاوهام والاخيلة والتشبب وذكر الامجاد وتكرار الاقوال والامثال وتدجن الكوارث وتشيد بالسلطات والدكتاتوريات..؟؟ اي فلسفة عربية معاصرة هذه التي لم تزل هذه النخبة من الكتاب العرب الذين لا يعرفون الا الكتابة ولا اتخّيل كيف انهم يكتبون وماذا يكتبون من دون ان يقرأون ولا يتدارسون ولا يتابعون!؟؟ كيف يمكنني ان أصف اوضاع حياتنا العربية المعاصرة التي لم تشهد حتى الان اي ثورة نقدية وفكرية حقيقية او اكاديمية منهاجية لدراسة تراثنا ونقده وكشف مستوراته وفضح عوارضه وتعرية مفاسده وتقويم اعوجاجاته الى جانب احترام رجالاته وثمار ابداعاته بعيدا عن النرجسية وعن التقديسية وعن التكفيرية وعن سحق الموضوعات الحية باسم عدم سحق الذات والذات منسحقة من عصر بعيد وقد غدت في اسفل سافلين!!

واخيرا: ما الذي يمكنني قوله؟
 متى يتخلص العرب من صناعة الكلام اللاغي؟ متى يفكرون الف مرة قبل ان يهتاجوا ويقولوا ويكتبوا ويقدموا النصائح البليدة؟؟ متى يتخلصون من الوعظية وتوزيع الاحكام المجانية والقاء الاتهامات القاصمة على الاحرار والمفكرين والنقاد الحقيقيين؟ متى تفرز الحياة العربية النقاوة من المفاسد والبياض من العتمة والنظافة من الاوساخ والعقل من الجهالة والحداثة بعيدا عن اقانيم التخلف..؟؟
 وتعالوا نسأل: اين العرب اليوم من بحثهم عن حقائق الاشياء وتوليد المعاني وخصب التفكير وابداعات الروح والعقل؟ اين هم من الحكمة؟ حتى لو كانت شعرا " وان من الشعر لحكمة " – كما يقول الرسول الاعظم -؟ اين هم الان من نظريات العصر الفلسفية الحديثة؟ لماذا يتقبلون كل شيىء مادي وتكنولوجي ينتجه الغربيون ببساطة وسذاجة باعتباره تحصيل حاصل مشروع وشرعي، ولكنهم يحجمون ويتبلدون عن قبول فلسفات الغرب ونظريات المعرفة الحقيقية المعاصرة؟ لو كان لديهم فقط حركة نقدية وفكرية وفقهية اجتهادية جريئة وحرة لنفضوا عنهم وعن انفسهم وعقولهم غبار الاختناقات وترسبات الماضويات وعفونة الواقع واحترموا تراثهم الحضاري الزاهر بعيدا عن تقديسه بغثه وسمينه، واحيوا مقاصدهم النظيفة التي لا تتقاطع او تتناقض مع ثوابتهم الراسخة.
 نعم، لو بدأت مشروعات تجديدية وتحديثية في التفكير العربي والاسلامي الحديث وعالج العرب زمنهم لشاركوا مشاركة حقيقية في حياة العصر، ولكنهم ويا للاسف الشديد كانوا وما زالوا بعيدون جدا عن اللحاق حتى بفهم ذيوله وقوة صعقاته! لو تيسّرت الامور عندهم وغدت الحياة العربية بأيدي عقلائها ورجالاتها الحقيقيين لأنتجت بعد اجيال واجيال من ( نهضتها ) حكماء يتدبرون امرها وستحل مشكلات ومعضلات لا حصر لها بأيديهم باعتبارهم من اهل الحل والعقد.. ولتغير وجه حياتنا العربية واسرعت خطاها نحو ركب التحولات في العالم كله! وأخيرا ليس لي الا ان أسأل: هل ما زال هناك بشر سوي يقول بأن لدينا فلسفة حديثة وبعض فلاسفة كبار من المعاصرين؟


الحلقة القادمة : هل هناك فلاسفة عرب معاصرون.؟ برهان شاوي.






philo.top-me.com ©. يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تعديل : عبدالرحيم